حكومة الزيدي.. مصفوفة الاستقصاء!

حكومة الزيدي.. مصفوفة الاستقصاء!
حكومة الزيدي خارج قالب النجف – طهران – واشنطن. نجاحها مرهون بنزع سلاح الفصائل الحزبية المسلحة وتعزيز القوة الشرائية للدينار. وإلا تبقى مجرد حكومة فرضيات لا قرارات...

مع كل حكومة عراقية تشكّلت بعد عام 2003، كانت جردة حساب الفرص والتحديات تُصاغ ضمن مصفوفة فرضيات ذات سقوف معروفة، لا تخرج عن معادلة الموازنة بين النجف الأشرف وطهران مقابل واشنطن، وما يدور في هوامش تأثير هذه المدن الثلاث.

غير أنّ حكومة المكلّف برئاسة الوزراء اليوم تبدو خارج هذه القوالب؛ إذ تواجه مصفوفة احتمالات أقرب إلى الصفرية منها إلى العددية. والسؤال.. كيف يمكن إدارة ذلك؟ ليس عبر عناوين الحقائب الوزارية، بل عبر صياغة فرضيات جديدة. فهل ذلك ممكن أم لا؟

وفق معادلة “الصفحة الثالثة” من الصراع الأمريكي–الإيراني، وما تعكسه القراءة الترامبية في التعامل مع المكلّف الجديد، يمكن ضبط مصفوفة الفرضيات على النحو الآتي:

أولًا: كل ما يُثار من ضجيج حول متغيرات متضاربة بين مواقف أحزاب الإطار التنسيقي ومواقف المكلّف الجديد، لا يخرج عن كونه إعادة تدوير لمشهد مستهلك. الحديث عن صدام أو انقلاب ناعم ضده بعد تشكيل حكومتها.. ، ليس أكثر من استثمار في حبال الأوهام.. فقط لأن إدارة ترامب، أو مبعوثها توم باراك، لا تبدو في وارد شراء ذات المطبّ مرة أخرى، كما حدث في مؤتمر لندن حين اختلطت عناوين المعارضة بمشاريع تتحرك من تحت معطف ولاية الفقيه.!!

عليه، فإن ما يجري أقرب إلى إعادة تموضع داخل البيت السياسي الواحد، حيث تتقن “حرافيش” السلطة—بمستوياتها المختلفة—فن التكيّف مع موازين القوة، دون أن تغادر منطق الامتياز أو تتخلى عن أدواته.

ثانيًا: الاستقصاء الأول لمصفوفة الفرضيات يكشف عن ثلاث أنماط داخل الفصائل الحزبية المسلحة:

نمط يتفاعل مع سلطة الجهاز الحكومي ولذة المال السياسي، محتفظًا بازدواجية الفصيل المسلح والحزب السياسي؛ ونمط ما زال يقدّم الفصيل المسلح على الحزب، حتى وإن حصل على تمثيل وزاري محدود؛وثالث يرفض أصلًا نموذج حصر السلاح بيد الدولة واحتكارها للعنف.. وان حصل على مقاعد برلمانية.

ضمن هذا التشظي، يبرز احتمال إعادة إنتاج نموذج “الصحوات”، لكن هذه المرة من داخل الفصائل نفسها، بحثًا عن ضمانات سياسية، وربما تشريعية، تمنع أي ملاحقات محتملة.

في المقابل، سيبقى من يرفض ذلك تحت عناوين مقدسة لمحور المقاومة وفيلق القدس.

ومع كل هذه الفرضيات، تبقى الحقيقة المرّة أن الجميع يحتفظ بالسلاح كخيار جاهز، عند أي متغير حاكم بين واشنطن وطهران.

ثالثًا:في ما تبقى من عمر إدارة ترامب، وما بعد الانتخابات النصفية، تتشكل سيناريوهات متعددة لإعادة صياغة السياسة الأمريكية في شرق أوسط جديد.

الترحيب بالمكلّف الجديد ليس منفصلًا عن هذا السياق، بل جزء من اختبار متدرّج، بانتظار “دومينو” التحولات داخل الفصائل المسلحة.

في المقابل، تستمر أدوات الضغط متعددة. اقتصاديًا عبر الفيدرالي الأمريكي،. واستراتيجيًا عبر مشاريع الربط الإقليمي، من سكك الحديد الممتدة من جدة إلى إسطنبول عبر سوريا والأردن لمنافسة طريق التنمية العراقي.

فضلا عن إعادة رسم خرائط أنابيب النفط والغاز نحو موانئ المتوسط والبحر العربي، ضمن شبكة تتداخل فيها مصالح إقليمية ودولية.. وهذا ما تناوله دراسة مفصلة لمركز دراسات الخليج العربي ونشرت تعلقيات عنها في موقع بلومبرغ الاقتصادي.

عليه، فإن الدعم الأمريكي لا يُمنح بوصف المكلّف “بطل المرحلة”، بل  بقدرته على إدارة الجزء المكلّف به ضمن هذه المعادلة. الفشل هنا لا يعني نهاية، بل فتح باب لسيناريوهات بديلة.

رابعًا: إيرانيًا، يستمر التعامل مع العراق بوصفه الحديقة الخلفية للدفاع عن مشروع ولاية الفقيه، وتصدير الثورة عبر سلطة هجينة في بغداد، تدار من خلال فيلق القدس الإيراني.

لذلك تواصل الفصائل الحزبية المسلحة الاحتفاظ بالتفوّق البرلماني والأمني، فضلًا عن تدفقات الدولار النفطي عبر بوابة الاستيراد.

أي تراجع في هذه التدفقات يضع طهران أمام معادلة معقدة..

لذلك تعمل على أن تسارع الفصائل لتحسين شروط التفاوض أولًا مع حكومة الزيدي.. ثم العمل على تفكيك أي نظام رقابي مالي، يواجه نظام مفاسد المحاصصة.. مع الإبقاء على قنوات التهريب عبر الحدود الطويلة والمعقّدة.

خامسًا:في ميزان الأيام المائة الأولى من عمر حكومة السيد الزيدي.. ، تتكثف مصفوفة الفرص والتحديات.

بالتأكيد سيحمل البرامج الحكومي الكثير من العبارات المنمّقة والوعود المعسولة عن السيادة ومحاربة الفساد، لكن معيار الاختبار الحقيقي يبدأ من نقطة أكيدة..  نزع سلاح الفصائل الحزبية المسلحة المشاركة في السلطة.

هذه ليست مهمة تقنية، بل مواجهة مع بنية معقّدة، لا تتوقف عند القيادات التي تحافظ على امتيازاتها، بل تمتد إلى قواعد واسعة يمكن توصيفها—بالاقتراب من المعنى الشعبي—بـ”حرافيش” السلطة، حيث تتشابك المصالح والاقتصاد الموازي والولاءات.

المعيار الثاني لا يقل أهمية: تعزيز القوة الشرائية للدينار العراقي مقابل الدولار، عبر سياسات مالية ونقدية منسقة، وهي مسؤولية مشتركة بين الحكومة والبرلمان.

بين هذين المعيارين، تبرز قوانين مفصلية: النفط والغاز، الاتحاد، الخدمة الإلزامية، والتعديلات الدستورية.

وفق كلما تقدم.  لا يواجه العراق أزمة تشكيل حكومة، بل أزمة تعريف دولة.!!

والانتقال من مصفوفة الفرضيات إلى مصفوفة القرار، مشروط بكسر ازدواجية السلاح والاقتصاد معًا.

خلاف ذلك، ستبقى كل الحكومات، مهما تغيّرت عناوينها، مجرد إعادة إنتاج لحكومة الفرضيات.

ويبقى من القول  لله في خلقه شؤون!! .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *