حكومة اقليم انجازات بنكهة التحديات!؟

حكومة إقليم كوردستان وإنجازات التنمية رغم التحديات
قراءة في تجربة حكومة إقليم كوردستان بقيادة مسرور بارزاني، وكيف تحققت قفزات في الكهرباء والتعليم والإصلاح المالي والاقتصادي والأمن المائي رغم التحديات السياسية والمالية..

حكومة إقليم كوردستان وسؤال الشارع في بغداد

أكثر سؤال يتداوله الشارع هذا اليوم في بغداد هو: لماذا حقق إقليم كوردستان قفزات نوعية في مجالات التنمية والإعمار والاستثمار، رغم الخلافات السياسية، والمشاكل العالقة مع المركز، والموازنة المحدودة، وأزمة الرواتب، والاستهدافات التي تعرض لها في بنيته التحتية؟

إنها إنجازات كبيرة تحققت بميزانية كان ينبغي أن تبلغ استحقاقاتها خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وفقاً للاتفاق مع بغداد، 58.37 تريليون دينار. غير أن الإقليم، وفقاً للمصادر، لم يستلم منها سوى 24.32 تريليون دينار، أي نحو 41.6%.

والجواب أن الفرق يكمن في أن إقليم كوردستان استطاع أن ينفض الغبار الذي غطى جسده بعد عام 1991. وسرعان ما لملم مشاكله الداخلية، واستطاع تغليب مصلحة الكورد بعد مخاض تجربة مريرة. في المقابل، ما زالت بغداد وبقية المحافظات تحبو، ولم تنل نصيبها من هذا الازدهار والتطور والعمران، نتيجة استشراء الفساد، وهدر المال العام، والغطاء السياسي، والمحسوبية، والرشوة، وخرق القانون.

مسرور بارزاني وحكومة بدأت وسط الأزمات

لا أحد ينكر أن السيد مسرور بارزاني تسلم رئاسة حكومة الإقليم عام 2019. وقد تزامنت بداية عمل حكومته مع أزمات مالية واقتصادية متلاحقة، أكملتها جائحة كورونا، وانخفاض أسعار النفط، والخلافات المستمرة مع الحكومة الاتحادية بشأن الموازنة وإدارة الثروات الطبيعية.

كما أضيف إلى ذلك توقف صادرات النفط عبر ميناء جيهان التركي، وهو ما فرض ضغوطاً كبيرة على الاقتصاد والإدارة العامة. ورغم ذلك، يمكن تسليط الضوء على جزء من الإنجازات التي تحققت في ظل حكومة إقليم كوردستان، بما يكشف أن الإدارة الرشيدة تستطيع العمل حتى وسط التحديات.

قطاع الكهرباء وإنهاء معاناة طويلة

إذا سألنا الشارع في بغداد عن أهم الإنجازات الملموسة من قبل حكومة الإقليم، فسيكون الجواب سريعاً وبديهياً: إنهاء مشكلة الكهرباء بشكل كامل.

لقد أنهى مشروع كهرباء «روناكي» أكثر من 25 سنة من المعاناة، من خلال توفير الكهرباء على مدار الساعة، والاستغناء عن ما يقارب أكثر من 6000 مولدة أهلية. كما ارتفع حجم ومستوى الإنتاج من 2360 ميگاواط في عام 2019 إلى 4334 ميگاواط في عام 2026.

وجاء ذلك مع تحديث شبكات الإنتاج والنقل والتوزيع، في وقت ما زالت فيه بغداد وبقية المحافظات تعاني من إيجاد حل لهذه المشكلة. وما زالت التظاهرات مستمرة على الحكومات المحلية، من دون حلول واقعية وجدية.

قطاع التعليم واستعادة المتسربين

رغم تحديات الموازنة وأزمة الرواتب، استطاعت حكومة إقليم كوردستان إلحاق وإرجاع ما يقارب 42107 من الأطفال المتسربين من التعليم إلى المدارس.

كما تم افتتاح وتأسيس جامعتين حكوميتين جديدتين لتعزيز التعليم الحكومي بدلاً من التعليم الأهلي الذي يستنزف الكفاءات.

إضافة إلى ذلك، جرى إعفاء كامل بنسبة 100% من الأجور الدراسية لطلبة الماجستير والدكتوراه، والطلبة المتفوقين، أي الأوائل على الجامعات من غير المعينين في المؤسسات الحكومية.

وشمل الإعفاء أيضاً الطلبة النزلاء والمحكومين، فضلاً عن أبناء قوات البيشمركة، وذوي الإعاقة، أو قتلى وجرحى جبهات القتال.

وهذا يعكس توجهاً واضحاً نحو حماية التعليم بوصفه استثماراً في الإنسان لا مجرد خدمة إدارية.

الإصلاح المالي ومشروع حسابي

في مجال الإصلاح المالي، تبنت حكومة الإقليم فكرة «المأسسة»، وتنويع الاقتصاد، وتحسين الخدمات، وتعزيز الشفافية في الإدارة المالية.

ومن أبرز هذه الخطوات إطلاق مشروع «حسابي»، الذي يمثل نقلة نوعية في القطاع المالي والمصرفي للإقليم.

فقد نقل مئات الآلاف من الموظفين والمتقاعدين لاستلام مستحقاتهم عبر الحسابات المصرفية.

وقد عزز هذا المشروع الشمول المالي، وقلل التعاملات النقدية، وزاد من الشفافية في صرف الرواتب.

وبذلك، لم يعد الإصلاح المالي مجرد شعار، بل تحول إلى آلية عملية لإدارة المال العام بطريقة أكثر تنظيماً ووضوحاً.

الإصلاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل

سعت حكومة السيد بارزاني إلى تعظيم إيرادات الإقليم، وتقليل الاعتماد على النفط بوصفه المصدر الرئيس للدخل.

وجاء ذلك من خلال تشجيع الاستثمار في قطاعات الزراعة والسياحة والصناعة والتكنولوجيا.

كما عملت الحكومة على تطوير البيئة الاستثمارية، واستقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، بما يسهم في خلق فرص عمل، وتعزيز النشاط والازدهار الاقتصادي.

وهنا تظهر أهمية التجربة، لأنها لا تكتفي بإدارة الموارد المتاحة، بل تحاول بناء قاعدة اقتصادية أوسع تستطيع مقاومة الأزمات، وتخفيف الاعتماد على مصدر واحد للدخل.

الحوكمة والمجال الرقمي

قطعت حكومة إقليم كوردستان خطوات مهمة في التحول الإلكتروني، عبر رقمنة عدد من الخدمات الحكومية، وتطوير أنظمة الإدارة العامة.

وقد أسهم ذلك في تقليل الروتين الإداري، ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية.

كما وفر بيئة مناسبة لجذب المستثمرين، وتنشيط القطاع السياحي، واستمرار التعاون الأمني مع التحالف الدولي في مكافحة الإرهاب.

وهذه الخطوات تكشف أن الحوكمة الرقمية ليست ترفاً إدارياً، بل مدخل ضروري لتحديث الدولة، وتسهيل الخدمات، ورفع مستوى الثقة بين المواطن والمؤسسات.

الأمن المائي والسدود

نتيجة التحديات التي مر بها العراق خلال السنوات الماضية، جاء الأمن المائي لدى حكومة الإقليم في أولى الأولويات.

فقد تم إنشاء عشرات السدود، والبرك المائية «البوندات»، ومشاريع المياه والصرف الصحي،

بهدف توفير المياه الصالحة للشرب، ومواجهة الجفاف، وزيادة الإنتاج الزراعي، والحد من الفيضانات، ودعم مربي الماشية.

كما جرى الاهتمام بتعزيز البنية التحتية للمياه في الإقليم، من خلال تشييد 9 سدود بتكلفة 265.7 مليار دينار،

وبسعة تخزينية تقارب 252.8 مليون متر مكعب من المياه، مثل سد غومسبان، وديوانة، وبستورة، وخنس، وآكوبان، وغيرها.

استنساخ التجربة ليس مثلبة

إن استنساخ بغداد لتجربة الإقليم في تنفيذ مشاريع البنى التحتية لا يعد مثلبة ولا سُبة.

بل قد يكون خطوة ضرورية إذا أُريد للمدن العراقية أن تخرج من أزماتها المزمنة.

فالاهتمام بحماية وتأمين البيئة، وزيادة المساحات الخضراء، وتوسيع وإنشاء الجسور والطرق السريعة،

إلى جانب مشاريع المياه والمجاري والخدمات البلدية، يمكن أن ينهي فكرة الاكتظاظ السكاني، ويحد من ظاهرة «ترييف المدن» التي شهدتها بغداد بعد عام 2003.

وسينعكس ذلك على تحسين البيئة الحضرية، وتسهيل الحركة التجارية والسياحية بين المحافظات، كما هو الحال في الإقليم.

ومن هنا، فإن تجربة حكومة إقليم كوردستان لا ينبغي أن تُقرأ من زاوية المنافسة السياسية فقط، بل بوصفها نموذجاً عملياً يمكن الاستفادة منه في بغداد وبقية المحافظات.

انتهى //

خارج النص // لايمكن تحقيق التكامل السياسي الاقتصادي الا بوجود رؤية مشتركة تعزز تمكين السيادة الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *