سلاح الفصائل وهشاشة الدولة في المشهد العراقي
يتشكل المشهد العراقي الراهن من تداخل معقد بين العوامل الخارجية والداخلية، بحيث يصعب فصل أحدهما عن الآخر. وفي قلب هذا المشهد، تتقاطع ثلاث معادلات صعبة.
الأولى هي صراع النفوذ الإقليمي الذي يراهن على الوقت والاستنزاف. والثانية هي أزمة سلاح الفصائل التي تحول دون قيام دولة القانون.
أما الثالثة، فهي هشاشة المؤسسات التي تجعل أي إصلاح أشبه بـ«تجميل لوحة فاسدة»، ما لم تُقتلع جذور المحاصصة.
هذا المثلث هو مفتاح فهم ما يحدث في العراق، وهو ما سنحاول تفكيكه في السطور القادمة، بين ضغط الخارج، وارتباك الداخل، والسؤال المؤجل عن الدولة.
السيناريو الإيراني الأميركي: مناوشات لا اجتياح
فيما يخص إيران، أرى أن الضربات الحالية ستكون محدودة، وأن المناوشات ستستمر في محاولة لإعطاء أفضلية لأحد الطرفين على الآخر، إلى حين التوصل إلى اتفاق حول المطالب الأمريكية.
لا أعتقد أننا سنشهد اجتياحاً برياً، لكن من المحتمل أن تتوسع رقعة الحرب أكثر قبل الوصول إلى أي تسوية.
وضمن هذه البيئة المتوترة، يجد العراق نفسه في موقع شديد الحساسية، لا بوصفه ساحة محايدة، بل بوصفه جزءاً من خريطة التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط.
أما على الأرض العراقية، فالبلاد تتجه نحو مواجهات في الشوارع، أو بتعبير أدق، اشتباكات محدودة بين الفصائل المسلحة والقوات الأمنية.
وقد جاء هذا التصعيد بعد إعلان فصائل «المقاومة» رفضها تسليم السلاح، وتزامن ذلك مع حملة مكافحة الفساد، وزيارة السيد الزيدي الأخيرة إلى واشنطن.
وهذا يعكس بوضوح موقع العراق في خريطة الشرق الأوسط الجديدة، حيث يتقاطع سلاح الفصائل مع الحسابات الإقليمية والدولية، وتصبح هشاشة الدولة عاملاً مضاعفاً لأي أزمة.
بترايوس والمقاربة الجديدة: هل نحن أمام صحوة معكوسة؟
بطبيعة الحال، فإن موضوع السلاح في العراق يُعد أمراً محسوماً وحتمياً لدى واشنطن.
وإذا استعرضنا مسيرة الجنرال ديفيد بترايوس، نجده رجلاً يعرف العراق عن كثب، بل ربما تفوق معرفته به معرفة كثير من العراقيين أنفسهم.
فقد سبق له التعامل مع فصائل مسلحة داخل العراق، وعلى رأسها تنظيم «القاعدة»،
وكان صاحب مقترح تشكيل «الصحوات» بهدف تجفيف الحاضنة الشعبية للتنظيم.
لذا، فإن الاستعانة مجدداً بشخصية بهذا الوزن، وبعد أن سبق وتقدم بمقترح استراتيجي للتعامل مع الفصائل، تشير بوضوح إلى أن الموضوع قد خرج عن دائرة المناورة والتفاوض.
يبدو أن العراق يقترب من تغيير جذري في شكل نظام الحكم، يُنفذ برعاية أميركية بهدف استقرار أوضاع الشرق الأوسط،
مع الإبقاء على العراق تحت السيطرة الأميركية اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. فقد أدركت واشنطن ضرورة ألا يكون العراق مصدر تهديد لحلفائها، أو عوناً لأعدائها.
وهذا لا يعني القبول الأعمى لكل قرار أمريكي. فالسيادة العراقية خط أحمر، والقرار الوطني يجب أن يبقى عصياً على الإملاءات الخارجية.
إلا أن صداقة أمريكا، وإن كانت محفوفة بالمخاطر، تبقى أفضل بكثير من عدائها القاتل.
سلاح الفصائل وعقدة الحل الجوهري
بالرجوع إلى العوامل الداخلية، نرى أن كل ما سبق يندرج تحت تأثير التدخل الخارجي.
لكن المؤثر الأكبر والأهم الذي يمنع الناس فعلاً من إحداث التغيير هو السلاح.
فإذا نظرنا إلى السنوات الماضية، نجد أن خوف الناس من الترشح في الانتخابات،
ومن مغبة ما قد يحدث لهم أو لأقاربهم، كان عائقاً رئيسياً، والأمثلة على ذلك كثيرة.
إن التغيير الجذري ممكن فقط بعد أن تحتكر الدولة استخدام العنف.
وعندها يمكن البدء تدريجياً بتحسين أداء المؤسسات. بل وحتى البيئة العراقية قد تتغير للأفضل، فتصبح جاذبة للاستثمار.
سابقاً، كان اتخاذ قرارات جريئة من هذا النوع صعباً، نظراً لدعم الشعب لذلك السلاح واعتباره جزءاً من هويته.
لكن بعد الحرب الأخيرة عام 2026، وتأثير ثورة تشرين 2019، حصل تغير ملحوظ في القبول الشعبي بفكرة احتكار السلاح، مما قد يفتح الباب أمام معالجات مختلفة في المستقبل.
الشارع العراقي وتحول المزاج الشعبي
غير أن التحول الأهم في المعادلة الداخلية يتمثل في الشارع العراقي ذاته. فبعد عقدين من التغيير،
يجد المواطن نفسه غارقاً في انقطاع الكهرباء، وتضخم اقتصادي خانق، وانهيار متواصل للعملة، مقابل تضخم ثروات النخب الحاكمة.
هذا السخط المتراكم حول سلاح الفصائل من «رمز للمقاومة» إلى «عبء يومي» في وعي الكثيرين.
فلم يعد الشعب يرى في الفصائل المسلحة حامية للهوية، بل شريكاً في إعاقة أي مشروع نهضوي.
وهذه النقلة النوعية في المزاج العام قد تكون الرافعة الأهم لأي تسوية مقبلة، حتى لو جاءت بضغط خارجي.
فحين يتغير وعي الناس بالسلاح، يتغير موقع السلاح في المعادلة السياسية والاجتماعية، وتصبح فكرة الدولة أكثر حضوراً من فكرة الولاء المسلح.
مكافحة الفساد بين الجدية والتسويق السياسي
بالانتقال إلى حملة السيد الزيدي لمكافحة الفساد، فهي ليست بالأمر الجديد.
إذ تثبت التجارب السابقة أن كل رئيس وزراء يأتي ويطلق مثل هذه المبادرات بهدف كسب التأييد الشعبي لحكومته.
ويبدو ذلك مفهوماً بشكل خاص، لأنه قادم من خلفية غير سياسية، وفي وقت تقف فيه المنطقة على كف عفريت.
غير أن هذا الأمر يثير غضب الناخبين الذين شاركوا في العملية الانتخابية، إذ يشعرون بعدم احترام أصواتهم.
بل وحتى غير الناخبين سيشعرون بأنهم خُدعوا، حين يتم تسليط من لم ينتخبه الشعب في منصب حساس ومهم.
لذا، قد نشهد بعض المشاكل، وربما احتجاجات شعبية تهدد استقرار الدولة.
من هنا، قد نرى في تنظيم هذه «المسرحيات السياسية» محاولة لبيع الدولة للشعب.
وأعتقد أنها نجحت إلى حد ما في تحقيق غرضها المرحلي. وربما يكون ذلك فعلاً صائباً من الناحية العملية،
لأن الوضع الداخلي لا يحتمل مزيداً من الاضطرابات التي قد تؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل هي فعلاً محاولة لبيع الدولة، أم أنها حملة جادة في مكافحة الفساد؟
الفساد وشجرة المحاصصة
حتى لو أحسنا الظن بهذه الحملة وقرأناها بنية حسنة، نجدها غير مجدية بالشكل المطلوب.
فهي تقتلع ثمار الفساد وتترك الشجرة لتنبت ثماراً أخرى.
والحقيقة أن إيقاف الفساد لن يتأتى إلا بوجود مؤسسات مستقلة، قادرة على إنفاذ القانون دون خضوع لضغوط سياسية. وهنا يكمن الخلل الأكبر.
فهذه المؤسسات لا تبنى في ظل أحزاب مهيمنة، وكأن البلاد تُقاد من قبل حفنة من الأشخاص يتحكمون وحدهم بمصير العراق وثرواته. وهذه الهيمنة تجعل محاسبة الفاسدين مستحيلة.
فإذا استُدعي فاسد من حزب معين، يرد الحزب نفسه بمحاسبة وزير من الحزب الآخر،
فيتنازل الطرفان عن المحاسبة كجزء من التفاهمات المتبادلة. وهكذا، تتحول مكافحة الفساد إلى أداة تفاوض لا إلى مسار عدالة.
قانون الانتخابات والمؤسسات المستقلة
لن يتغير هذا الواقع إلا بإصلاح جذري لقانون الانتخابات، والعودة إلى نظام الدوائر المتعددة الذي أثبت نجاحه في عام 2021، حين فاز نواب مستقلون، وكانوا أحراراً في قراراتهم.
بهذا النظام وحده نستطيع الخروج من سطوة الزعامات الحزبية، والانتقال تدريجياً إلى مرحلة تكون فيها المؤسسات هي الفاعل الحقيقي، لا الأهواء والنفوذ.
لكن هل هذا كافٍ وحده؟
مع ذلك، لا يكفي تعديل قانون الانتخابات وحده، طالما أن سلاح الفصائل بقي خارج سيطرة الدولة،
والنفوذ الإقليمي لا يزال فاعلاً في رسم المشهد السياسي.
فالواقع أن الإصلاح الحقيقي يتطلب مقاربة متزامنة على ثلاثة مسارات: سياسي، بتعديل قانون الانتخابات؛
وأمني، باحتكار الدولة للسلاح وحصر التسليح بيدها؛ ومؤسساتي، ببناء هيئات رقابية مستقلة.
وإلا، فإن أي إصلاح انتخابي سيظل قابلاً للالتفاف، وأي حملة ضد الفساد ستبقى مجرد «نافذة» تُفتح وتُغلق حسب المزاج السياسي، دون أن تمس جذور الشجرة الفاسدة.
العراق بين فكي كماشة
هكذا، يظل العراق معلقاً بين فكي كماشة خارجية تحاول رسم خريطة جديدة للمنطقة، وداخلية تعاني من سلاح الفصائل والمحاصصة وهشاشة الدولة.
الفرصة اليوم ربما تكون أكثر نضجاً من أي وقت مضى، بفضل تحول في المزاج الشعبي، وتفاهمات إقليمية تلوح في الأفق.
لكن السؤال يبقى: هل تملك النخبة السياسية الحالية الجرأة على اقتحام هذه العقدة؟ أم أنها ستكتفي بإدارة الأزمة إلى أن يأتيها أمر الله، أو أمر واشنطن؟
التاريخ يعلمنا أن العراق لا يتغير بقرارات خارجية وحدها، بل حين تتوافق مع إرادة أبنائه الذين سئموا الانتظار.

