طريق الازدهار العراقي ودرس النفط كسلاح سياسي
«النفط سلاح للحرب السياسية»؛ عبارة استُخدمت في مناسبات عديدة، لكن المحطة العربية الأكثر تأثيراً، والتي غيّرت موازين القوى العالمية، كانت الحظر النفطي العربي خلال حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973.
في اليوم السابع عشر من تلك الحرب، وبالتزامن مع مواجهة العرب، مصر وسوريا، مع الكيان الإسرائيلي، اتخذت الدول العربية الأعضاء في منظمة أوبك قراراً تاريخياً باستخدام النفط كسلاح للضغط على المجتمع الدولي. فقد جرى خفض الإنتاج بنسبة 5% شهرياً، بالتزامن مع فرض حظر كامل على تصدير النفط إلى الدول الداعمة لإسرائيل، وعلى رأسها أمريكا، وهولندا، والمملكة المتحدة، وكندا، واليابان.
قفزت أسعار النفط عالمياً بنحو أربعة أضعاف، من حوالي 3 دولارات إلى قرابة 12 دولاراً للبرميل. ونتجت عن ذلك أزمة طاقة خانقة في الغرب، عُرفت بطوابير السيارات الطويلة أمام محطات الوقود، إلى أن انتهى الحظر في آذار/مارس 1974 بعد بدء مفاوضات السلام والانسحاب الجزئي للقوات الإسرائيلية.
ما بعد الحظر: العالم يتعلم الدرس
إذا استكملنا المشهد والنتائج، نجد أن أغلب الدول المتضررة أعلنت، بطريقة أو بأخرى، أ
ن هذا الأمر لن يتكرر مرة أخرى. لذلك بدأت سلسلة إجراءات، منها التحكم بالسوق والإنتاج،
وتخزين النفط المستخرج من الدول المنتجة، وبناء احتياطات استراتيجية تقلل أثر أي صدمة قادمة.
اليوم يحدث المعنى ذاته من جديد. فقد دخل مضيق هرمز فجأة على خط الحرب،
وارتبط اسمه مجدداً بسؤال قطع إمدادات الطاقة العالمية. وهنا يبرز السؤال العراقي الأهم: هل نبقى أسرى لعبة «افتح يا مضيق.. أغلق يا مضيق»، أم نذهب نحو طريق الازدهار العراقي بوصفه حلاً استراتيجياً مستداماً؟
مضيق هرمز وسوق الطاقة العالمي
يُعد مضيق هرمز الشريان الحيوي الأهم في سوق الطاقة العالمي. يمر عبره نحو 20% إلى 25% من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، بما يعادل حوالي 20 مليون برميل يومياً.
وما حدث في الحرب الأخيرة كان واضحاً وبسيطاً في أثره: إغلاق الممر المائي أو تهديده أدى مباشرة إلى قفزات تاريخية وصادمة في أسعار النفط، لتتجاوز عتبة 110 إلى 120 دولاراً للبرميل، وتؤثر على الاقتصاد العالمي.
لم تقف التداعيات عند أسعار النفط فقط. فقد زادت تكاليف التأمين والشحن البحري،
ودفعت شركات التأمين البحرية إلى رفع أقساط التأمين ضد «مخاطر الحرب» إلى أرقام فلكية. والدول التي تضررت ستضع خططاً للمستقبل، كما حدث في سبعينيات القرن الماضي.
لكن السؤال الأهم هنا: هل وضع العراق خطة للمستقبل؟
العراق بين الضرر والفرصة
ينبغي أن نترك السرديات جانباً، وننطلق نحو رؤية حل مستقبلي استراتيجي مستدام، ينهي مشكلة «غلق المضيق» و«فتح المضيق»، وكأننا أمام لعبة «افتح يا سمسم».
الحل يتمثل في الانطلاق بمشروع مجمع «بندر عباس – خصب – الفاو» الكبير للنقل والطاقة والطيران.
هذا المشروع يمكن أن يكون قاعدة جديدة لفهم طريق الازدهار العراقي، ليس بوصفه طريقاً داخلياً فقط، بل بوصفه عقدة إقليمية تربط النفط والتجارة والموانئ والأسواق.
إن العراق، المتضرر الأول من أزمات هرمز، يمكن أن يصبح المستفيد الأهم إذا امتلك رؤية تربط مصالحه بمصالح الخليج وإيران وآسيا، وتحول الجغرافيا من مصدر تهديد إلى مصدر ربح وتأثير.
مجمع بندر عباس – خصب – الفاو
يقوم التصور على شراكة مستدامة تنطلق من ميناء بندر عباس عند مضيق هرمز، مع ميناء خصب في سلطنة عمان،
بوصفه الميناء الأبرز والأكثر استراتيجية من جهة دول الخليج العربية المطلة مباشرة على المضيق، وبالشراكة مع ميناء الفاو الكبير.
ولا ينبغي أن يقف المشروع عند هذه الحدود. بل يجب الشروع في فتح أفق تجاري واقتصادي مع باقي دول الخليج المطلة على الخليج،
مثل الكويت، والسعودية، والإمارات، وقطر، ضمن إطار تجاري واقتصادي ونفطي يلزم كل الأطراف، ومنها إيران، بحماية مصالحها وأموالها واقتصادها وتجارتها.
بهذه الطريقة، لا يعود المضيق مجرد نقطة تهديد. بل يتحول إلى مساحة مصالح مشتركة، لأن التجارة والمنافع والاستثمارات ستجبر الأطراف على التفكير بعقلية حماية المكاسب، لا بعقلية إغلاق الممرات.
من «افتح يا سمسم» إلى مغارة مصالح مشتركة
هذا المشروع سيقلل آثار غلق المضيق. ففي هذه الحالة، لن تكون عبارة «افتح يا سمسم» مجرد استعارة ساخرة،
بل ستكون المنافع والمصالح والاقتصادات والتجارة هي المفتاح الحقيقي.
سيتحول المضيق إلى «مغارة علي بابا» لكل الأطراف، لا بمعنى الغنيمة، بل بمعنى تعدد المنافع وتقاطع المصالح.
وكلما كبرت المصالح المشتركة، أصبح إغلاق المضيق أكثر كلفة على الجميع، بمن فيهم الأطراف التي قد تفكر باستخدامه كورقة ضغط.
العراق، المتضرر الأول والمستفيد الأخير والأهم من هذه الخطوة، يستطيع أن يحول هرمز من مخرج للطاقة إلى العالم، إلى مدخل لغذاء واقتصاد العراق والخليج وإيران أيضاً.
البعد الآسيوي للمشروع
الأفق الأبعد لهذا المشروع هو دخول الصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية على الخط.
فهذه الدول ليست مجرد مستوردين للطاقة، بل هي قوى صناعية وتجارية كبرى،
ولها مصلحة مباشرة في استقرار طرق الإمداد، وخفض كلف التأمين والشحن، وتنويع مسارات التجارة.
ومن هنا، فإن طريق الازدهار العراقي يجب أن يُقرأ بوصفه منصة لإدخال آسيا في معادلة استقرار الخليج، لا بوصفه مشروع موانئ وطرق فقط.
كلما ارتبطت مصالح هذه القوى بميناء الفاو وموانئ الخليج ومنافذ هرمز،
أصبح العراق قادراً على لعب دور أكبر من حجمه الحالي، وتحول من دولة متلقية للصدمات إلى دولة تصنع مسارات بديلة.
ميناء الفاو وسلاسل البيع العالمية
في هذا التصور، يجب أن يتحول ميناء الفاو الكبير إلى واحد من أهم أماكن إنتاج البضائع وسلاسل المبيعات العالمية.
فالميناء لا ينبغي أن يكون مجرد نقطة عبور، بل مركز إنتاج، وتجميع، وتخزين، وتصدير، وربط بين آسيا والخليج والعراق وتركيا وأوروبا.
إذا بقي الفاو مجرد رصيف لاستقبال البضائع، فلن يغيّر موقع العراق كثيراً. أما إذا تحول إلى مركز صناعي وتجاري ولوجستي، فسيصبح جزءاً من خريطة الاقتصاد العالمي الجديدة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لطريق الازدهار العراقي: أن يتحول العراق من بلد ينتظر مرور النفط أو ارتفاع سعره، إلى بلد يصنع موقعه في التجارة والإنتاج وسلاسل الإمداد.
أمريكا والصين وسؤال المشروع
يبقى السؤال الأخير: هل ستهاجم أمريكا المشروع بقوة ساحقة لإفشاله؟
بوجود ترامب، يبقى الموقف ضبابياً. لكن مبدئياً، ستكون أمريكا ضمن الرابحين في كل الحالات إذا أدركت أن المشروع يخفف مخاطر الانفجار الإقليمي، ويحمي تدفق التجارة والطاقة، ويمنحها منفذاً للتأثير في العراق والخليج.
لذلك، قد تدعم واشنطن المشروع، لكن على حساب محاولة إخراج الصين من المعادلة أو تقليص نفوذها داخله.
وهذا ما يجعل الملف أكثر حساسية، لأن المشروع ليس اقتصادياً فقط، بل هو أيضاً ساحة تنافس بين القوى الكبرى.
الأمر بالنسبة إلى أمريكا أخطر من مجرد مغامرة، بل أقرب إلى مقامرة كاملة بلعبة الروليت الروسي.
غير أن روليت هرمز مغاير بالنسبة إليها؛ فبدلاً من رصاصة واحدة من أصل ست، تبدو المعادلة كأنها خمس رصاصات من أصل ست.
من رصاصة هرمز إلى درس المستقبل
إغلاق هرمز حدث جلل. ومن واجب العراق أن يأخذ العبر والدروس منه، لا أن ينتظر الأزمة القادمة ليتصرف برد فعل متأخر.
فمغامرة الرجل البرتقالي مع نتنياهو قد تكلف المنطقة والعراق رصاصة الرحمة الأخيرة.
وإذا بقي العراق بلا خطة، فسيظل يدفع ثمن صراعات الآخرين، مرة عبر أسعار النفط، ومرة عبر التجارة، ومرة عبر الأمن، ومرة عبر ضياع فرص التحول الاقتصادي.
ختاماً، نؤمن أن كل استثمار ناجح يبدأ برؤية واضحة وخطوة مدروسة. وطريق الازدهار العراقي،
إذا ارتبط بمشروع بندر عباس وخصب والفاو، يمكن أن يكون تلك الخطوة التي تنقل العراق من موقع المتضرر إلى موقع صانع الحل.


