أي محاولة لتحليل بنية أنماط الاتصال على مواقع التواصل الاجتماعي، أو في برامج “التوك شو”،
ومقارنتها بالبيانات الرسمية الصادرة عن الاجتماعات الحزبية أو تصريحات عواصم الصراع،
تكشف بوضوح أن هناك محاور تتمادى في توزيع الأدوار وإعادة إنتاج الأوهام.
فهناك محور الاتفاقات الإبراهيمية، والشرق الأوسط الجديد، وما يلحق به من سرديات صفقة القرن.
وفي المقابل، هناك خطاب أمريكي واضح يتعامل مع البيت الأبيض وكأنه مجلس إدارة للشركات متعددة الجنسيات،
لا مركز قيادة لدولة عظمى بالمعنى التقليدي.
عالم متعدد الأقطاب أم إدارة جديدة للهيمنة؟
تقول واشنطن، بوضوح أو بإيحاء،
إن مرحلة التنافس الاستراتيجي في عالم متعدد الأقطاب تتطلب ضبط إيقاع الموارد ضمن حسابات ختامية تؤكد قدرة الدولار على الصمود في معارك الدفاع عن إمبريالية أمريكية جديدة.
يتردد صدى هذه المعادلة في بحر الصين، وبين تايوان وكوريا الشمالية،
بالتوازي مع إعادة صياغة التنافس النووي عالمياً بين حلف الناتو والاتحاد الروسي.
هكذا يمكن قراءة نتائج المواجهة بين إيران وإسرائيل وأمريكا؛ لا بوصفها جولة إقليمية محدودة،
بل بوصفها محطة من محطات رسم محددات عالم متغير،
تحاول فيه واشنطن تثبيت قواعد الردع وإدارة التوازنات الكبرى مع الصين وروسيا،
بينما تبحث إيران عن حدود الدور المتاح لها إقليمياً ودولياً.
وهم الحرب العالمية الثالثة
أكبر خطيئة في قراءة المشهد هي افتراض أن العالم سيمضي نحو حرب عالمية ثالثة من أجل أمن إسرائيل،
أو أن الصين وروسيا ستذهبان إلى مواجهة كونية من أجل إيران.
فالقوى الكبرى لا تتحرك وفق العواطف ولا وفق خطابات الحلفاء الصغار،
بل وفق حسابات المصالح، وكلفة الانخراط، وحدود الربح والخسارة.
ومن هنا، فإن الستين يوماً المقبلة، أو المرحلة الانتقالية التي تعقب التفاهمات الأولية،
ستبقى معلقة على مدى فهم إيران وإسرائيل لطبيعة ما بعد الاتفاقات النهائية التي تسعى واشنطن إلى تثبيتها ضمن هندسة إقليمية أوسع.
إسرائيل حاضرة في التفاوض
سيبقى مقعد إسرائيل حاضراً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أي مفاوضات تتصل بإيران والمنطقة.
فواشنطن لا تستطيع أن تتجاهل الحسابات الإسرائيلية، حتى حين تختلف معها في ترتيب الأولويات أو توقيت التصعيد.
وأحد أبرز ما يهدد العودة إلى مربع الحرب يتمثل في عدم موافقة إيران وإسرائيل على صيغة توقف التصعيد بصورة مباشرة أو ضمنية،
أو في فشل إدراج الجبهات المرتبطة بالصراع ضمن تفاهمات قابلة للتنفيذ.
بمعنى آخر، لا تكفي التفاهمات الأمريكية الإيرانية إذا بقيت الساحة الإسرائيلية خارج القدرة على الضبط،
كما لا تكفي الرغبة الأمريكية في التهدئة إذا ظل كل طرف إقليمي يقرأ الاتفاق من زاوية خسارته الخاصة.
العراق خارج دوره الاستراتيجي
وسط كل هذه المتغيرات الدولية والإقليمية، تتراجع قدرة العراق على تمثيل دوره الاستراتيجي في خارطة التفاعلات المقبلة.
فالمشكلة أن كثيراً من الأطراف الإقليمية والدولية لا تتعامل مع دولة عراقية واحدة تمثل وطن الجميع،
بل مع سلطة هجينة تتأرجح بين مظاهر الانفكاك عن النفوذ الخارجي، وبين التمسك بديمومة منافع المحاصصة ومفاسدها.
وهذا هو جوهر الأزمة العراقية: دولة تمتلك علماً وحدوداً ومؤسسات،
لكنها ما زالت عاجزة عن إنتاج قرار وطني جامع، مستقل، وواضح في بوصلته.
توم باراك وإعادة إنتاج الخطيئة
في الوقت نفسه، تعيد واشنطن، عبر الأسلوب السياسي الخشن الذي يمثله حضور توم باراك في ملفات العراق وسوريا،
إنتاج الخطيئة ذاتها التي رافقت مرحلة ما بعد مؤتمر لندن ومجلس الحكم.
فالافتراض الأمريكي القديم كان أن المحاصصة والمكونات، ضمن نظام فدرالي برلماني،
يمكن أن تنتج الاستقرار لعراق مندمج في معادلة الشرق الأوسط الجديد.
لكن التجربة أثبتت أن تحويل الدولة إلى حصص لا يبني وطناً، وأن توزيع السلطة بين مراكز النفوذ لا ينتج استقراراً،
بل ينتج شبكة مصالح عابرة للدولة، قادرة على ابتلاع الدولة نفسها.
حصر السلاح واقتصاد الفصائل
كل ما يجري هذه الأيام من حديث عن حصر السلاح، وإلغاء اقتصاديات الفصائل الحزبية المسلحة،
يبقى ناقصاً ما لم يبدأ من سؤال الدولة نفسها:
من يملك القرار؟
ومن يملك المال؟ومن يملك السلاح؟ومن يحاسب من؟
فلا معنى لحصر السلاح إذا بقي الاقتصاد السياسي للفصائل قائماً،
ولا معنى للحديث عن الإصلاح إذا بقيت شبكات المصالح قادرة على تدوير نفسها داخل الوزارات والمنافذ والعقود والمصارف.
إن السلاح ليس بندقية فقط، بل شبكة تمويل، وعقود، ومنافذ، وولاءات، وإعلام، ومناصب.
ومن لا يفكك هذه البنية لا يستطيع أن يتحدث بجدية عن دولة واحدة وسلطة واحدة وقانون واحد.
تدوير محاور الوهم
هكذا يجري تدوير محاور الوهم في عراق اليوم والغد،
وتوزيع المهمات والأدوار على أساس أن العراق ليس وطناً كاملاً لأبنائه، بل ساحة خلفية لصراعات الآخرين.
وسيصافح بعض المبعوثين الدوليين أيادي تحوم حولها شبهات فساد وهدر للمال العام،
فقط من أجل ضمان ديمومة مصالح اقتصادية وسياسية،
وتحويل الدولار النفطي إلى دولار استيرادي يخدم ميزاناً تجارياً مختلاً مع دول الجوار.
وهنا يصبح السؤال العراقي أكثر إلحاحاً: كيف يمكن بناء دولة عادلة وقوية،
بينما تُدار الثروة الوطنية بوصفها غنيمة، وتُدار السياسة بوصفها سوقاً، وتُدار السيادة بوصفها بنداً قابلاً للتفاوض؟
من أين لك هذا؟
أي حديث عن الإصلاح الشامل يجب أن يبدأ بموقف عراقي صريح ومباشر،
عبر كنس الفساد من الدرجات العليا، وطرح السؤال المعروف: من أين لك هذا؟ قبل عام 2003 وبعده.
أما التلاعب بالألفاظ، والتعامل مع وقائع محدودة، حتى إن كانت جرائم فساد كبرى،
فلن يتجاوز ما جرى في محطات سابقة من حملات إعلامية أو عمليات سياسية لم تقترب من جذر المشكلة.
لقد سمع العراقيون كثيراً عن صولات وحملات ومجالس عليا لمكافحة الفساد،
لكنهم لم يروا حتى الآن انقلاباً حقيقياً في بنية الدولة الريعية والمحاصصاتية التي تحمي الفساد وتعيد إنتاجه.
الدولة العميقة والدولة الموازية
على خط مواز، قد يختفي بعض السلاح من الواجهة، وقد يستبدل بعض الزعماء خطابهم القديم بلغة سياسية جديدة،
لكن الحقيقة الثابتة أن الدولة العميقة والدولة الموازية ما زالتا متشعبتين داخل الجهاز الحكومي.
وما يقال عن تغيير آلاف الدرجات الوظيفية الخاصة لن يكون كافياً إذا كان مجرد استبدال شريحة إلكترونية داخل حاسوب كبير، من دون تغيير نظام التشغيل نفسه.
فالعراق لا يحتاج إلى تبديل أسماء فقط، بل إلى تغيير قواعد العمل السياسي والإداري والاقتصادي التي جعلت الدولة رهينة شبكات النفوذ.
أين بوصلة العراق الواحد؟
ربما نستمتع بمناقشات طويلة عن الانتصارات؛ هذا مع إيران، وذاك مع أمريكا، وثالث مع محور آخر.
لكن الغائب الأكبر هو النقاش الجاد حول بوصلة “عراق واحد وطن الجميع”.
والأخطر أن بعض الكتاب والسياسيين ينشغلون بتحليل انتصارات هذا الطرف أو ذاك،
بينما يتجاهلون السؤال الأكثر أهمية: ما هي مصفوفة الحلول والبدائل العراقية الواقعية للخروج من عنق زجاجة الأزمة المالية التي تخنق معيشة الفقراء؟
فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الشعر السياسي في مدح المحاور،
بل يحتاج إلى عقل دولة يبحث عن الكهرباء، والماء، والرواتب، والاقتصاد المنتج، والعدالة الضريبية، ومكافحة الفساد، وحماية الفقراء.
العراق في زمن الذكاء الاصطناعي
نعم، هذا عالم يتصارع من أجل البقاء للأفضل والأقوى في زمن الذكاء الاصطناعي والمعرفة الاقتصادية وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والطاقة.
وفي مثل هذا العالم، تبدو تفاهة الانحياز لإيران أو أمريكا على حساب العراق الواحد انتحاراً سياسياً وأخلاقياً.
فالدول لا تُبنى بالاصطفاف خلف الآخرين، بل ببناء قدرة داخلية تجعل الآخرين يحسبون لها حساباً.
أما العراق الذي يبدد وقته بين محاور الوهم، فسيفقد فرصته في أن يكون دولة لا ساحة.
خاتمة
محاور الوهم كثيرة، لكنها تشترك في شيء واحد:
أنها تطلب من العراقي أن ينسى وطنه، وأن يرى نفسه تابعاً لمحور، أو مكوناً في صفقة، أو رقماً في معادلة خارجية.
أما الحقيقة التي ينبغي استعادتها فهي أبسط وأعمق:
العراق ليس حديقة خلفية لأحد، ولا مجرد عقدة في خرائط الآخرين، ولا هامشاً في تفاوض واشنطن وطهران وتل أبيب.
العراق وطن الجميع، ولا خلاص له إلا بدولة واحدة، وقرار واحد، وقانون واحد، ومحاسبة تبدأ من الأعلى قبل الأدنى.
وما عدا ذلك ليس سوى تدوير جديد لمحاور الوهم. ولله في خلقه شؤون.


