في الذكرى السادسة والعشرين لتحرير الجنوب اللبناني، لا يبدو المشهد مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل إعادة تأكيد على معادلة سياسية ووطنية فرضها الميدان منذ عام 2000 وحتى اليوم: أن السيادة في لبنان لم تُنتزع عبر البيانات الدبلوماسية ولا عبر الرهانات الدولية، بل عبر فعل المقاومة التي استطاعت تحويل الاحتلال من قدر دائم إلى هزيمة تاريخية.
لقد شكّل التحرير محطة مفصلية في الوعي الوطني اللبناني والعربي، ليس فقط لأنه أنهى احتلالاً دام عقوداً، بل لأنه أسقط للمرة الأولى صورة “الجيش الذي لا يُهزم”، وفتح الباب أمام نموذج جديد من الردع الشعبي القادر على فرض التوازنات. ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد المقاومة مجرد حالة عسكرية، بل تحوّلت إلى عنصر تأسيسي في معادلة حماية لبنان، خصوصاً في ظل عجز الدولة البنيوي وارتهان جزء من القرار الرسمي للأمريكي.
واليوم، بعد ستة وعشرين عاماً، يعيد الواقع نفسه إنتاج السؤال القديم: من يحمي السيادة فعلياً؟
هل هي السلطة التي ما زالت تتعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية بمنطق البيانات الدبلوماسية، أم المقاومة التي فرضت عبر الميدان قواعد اشتباك منعت العدو من تحويل لبنان إلى ساحة مستباحة؟
إن التباين القائم بين صمود الميدان وارتباك الموقف الرسمي لا يمكن قراءته كاختلاف في الأساليب فقط، بل كصراع بين مشروعين:
مشروع يعتبر أن القوة الوطنية عنصر ردع وسيادة يجب التمسك به، ومشروع آخر يعتقد أن تقديم التنازلات السياسية والأمنية المجانية قد يفتح باب “الاستقرار” حتى ولو كان على حساب عناصر القوة اللبنانية.
لكن التجربة اللبنانية، منذ اتفاق 17 أيار وصولاً إلى مرحلة ما بعد التحرير، أثبتت أن كل محاولة لفصل لبنان عن عناصر قوته كانت تنتهي إلى مزيد من الانكشاف. فالدولة التي لم تستطع حماية أرضها لعقود، ولم تتمكن من فرض تطبيق القرارات الدولية على الاحتلال، تجد نفسها اليوم أمام معادلة دقيقة: إما الاستفادة من قوة المقاومة كعامل حماية وتوازن، أو التحول إلى سلطة عاجزة تفاوض من موقع الضعف وتنتظر الضمانات الخارجية.
الأخطر في بعض المقاربات الرسمية أنها تتعامل مع المقاومة وكأنها عبء سياسي ينبغي التخلص منه، لا ورقة قوة استراتيجية يفترض استثمارها وطنياً. وهذا يعكس خللاً عميقاً في فهم طبيعة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يعترف إلا بمنطق القوة والردع. فالتاريخ الحديث للمنطقة يُظهر بوضوح أن الاحتلال لم ينسحب يوماً نتيجة “حسن النوايا”، بل تحت ضغط الكلفة الأمنية والعسكرية والسياسية.
ومن هنا، فإن أي محاولة لتمرير تفاهمات أو اتفاقات لا تضمن تحرير كامل الأراضي اللبنانية وحماية السيادة الفعلية، ستبقى فاقدة للشرعية الوطنية والشعبية، لأن البيئة التي احتضنت خيار المقاومة وقدّمت التضحيات لن تقبل بتحويل الإنجازات الميدانية إلى أوراق تنازل على طاولة التسويات.
كما أن الرهان على تبدّل الموقف الأميركي أو على ضمانات دولية أثبت مراراً هشاشته، خصوصاً في ظل الانحياز الغربي الواضح للاحتلال. وبالتالي، فإن أي سلطة تتخلى عن عناصر القوة الذاتية، وتحديداً المقاومة، إنما تتنازل عملياً عن آخر أوراق التوازن التي يمتلكها لبنان.
إن ذكرى التحرير اليوم ليست مناسبة احتفالية فحسب، بل لحظة سياسية وأخلاقية لإعادة تعريف مفهوم الدولة والسيادة. فالدولة الحقيقية لا تُبنى بالتخلي عن مصادر قوتها، بل بتكاملها معها ضمن مشروع وطني يحمي الأرض والقرار الوطني معاً. أما الرهان على الدبلوماسية المجردة في مواجهة عدو توسعي مدعوم دولياً، فلن ينتج سوى مزيد من الضعف والانكشاف.
وعليه، فإن المقاومة في الوعي الشعبي اللبناني لم تعد مجرد خيار مرحلي، بل تحوّلت إلى ضرورة سيادية فرضتها طبيعة التهديدات وعجز النظام الرسمي العربي والدولي عن حماية الحقوق. ولهذا، فإن أي مشروع وطني حقيقي في لبنان لا يمكن أن يقوم على نزع عناصر القوة، بل على تحويلها إلى ركيزة استراتيجية تحصّن الدولة بدل أن تُترك الدولة رهينة الضغوط والابتزاز الامريكي.


