حين تُختبر الشعوب في لحظات الحرب
ليست كل الشعوب سواءً عندما تُدقّ طبول الحرب،
وليست كل الأمم قادرةً على الثبات عندما تتساقط التهديدات فوق رؤوسها.
فهناك من يراجع مبادئه عند أول ضربة، وهناك من يساوم على قناعاته عند أول حصار،
وهناك من يبحث عن النجاة ولو على حساب كرامته.
أما الشعب الإيراني، فقد أثبت مرةً أخرى أنه ينتمي إلى مدرسةٍ أخرى تماماً.
مضت الساعات، والعالم يترقّب. كان الخصوم ينتظرون أن ترتفع الأصوات المعترضة،
وأن تنتشر الأسئلة المألوفة: لماذا ندفع الثمن؟ وما شأننا بهذه المواجهة؟
ولماذا نتحمّل التضحيات؟
لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.
شعب يعلن موقفه بثبات
كان المشهد مختلفاً.
شعبٌ بأكمله بدا وكأنه استفتاءٌ مفتوح على المبادئ،
فجاءت النتيجة واضحة: التمسك بالموقف مهما بلغت الكلفة،
والثبات على القناعة مهما اشتدت الضغوط.
لم نسمع شعباً يمنّ بتضحياته، ولم نرَ أمةً تتعامل مع مواقفها بمنطق التجارة السياسية.
بل رأينا شعباً يجد في نصرة المظلوم شرفاً، وفي تحمّل المسؤولية واجباً،
وفي الثبات على المبدأ عبادةً يتقرّب بها إلى الله والتاريخ.
وهنا تكمن عظمة إيران الحقيقية.
القوة الحقيقية تبدأ من الإنسان
فالقوة ليست فقط في الصواريخ التي تُطلق،
ولا في القدرات العسكرية التي تُبنى،
بل في الإنسان الذي يبقى متمسكاً بقناعاته رغم العقوبات والحصار والتهديد والحرب.
فالسلاح تصنعه المصانع، أما هذا النوع من الرجال فتصنعه العقائد الراسخة، والتربية الطويلة، والإيمان العميق.
منذ انتصار الثورة الإسلامية،
لم يكن الرهان على الحجر ولا على الحديد،
بل على الإنسان.
على جيلٍ يورّث أبناءه ثقافة العزة كما يورّثهم أسماءه،
وينقل إليهم الإيمان بالقضية كما ينقل إليهم تاريخه وذاكرته.
معدن الشعب في مواجهة الضغوط
لهذا، عندما تتعرض إيران للضغوط،
لا يظهر معدن الدولة فقط،
بل يظهر معدن الشعب أيضاً.
ذلك الشعب الذي لم تنجح العقوبات في إفقاره روحياً، ولم تنجح الحروب في إخافته،
ولم تنجح حملات التشويه في فصله عن قناعاته.
إن الشعوب العظيمة تُعرف في لحظات الامتحان،
وإيران كانت دائماً من الأمم التي تتحول المحن عندها إلى مناسبة لإظهار ما تختزنه من صلابة، وإيمان، وثقة بالنفس.
نموذج نادر في زمن المساومات
ولهذا، فإن النظر إلى الشعب الإيراني اليوم لا يولّد الشفقة،
بل يولّد الإعجاب. ولا يبعث الحزن، بل يبعث الاعتزاز.
إنه يقدّم نموذجاً نادراً في زمنٍ أصبحت فيه المبادئ سلعةً قابلةً للمساومة،
وأصبحت المواقف تُقاس بحجم المكاسب لا بحجم القيم.
إن الأمة التي لا تسأل عن الثمن عندما يكون الحق واضحاً،
ولا تتراجع عندما تصبح التضحيات واجباً،
هي أمةٌ كتبت لنفسها مكاناً في ذاكرة التاريخ.
وتلك هي إيران…
إيران التي قد يختلف معها كثيرون، لكنهم لا يستطيعون إنكار حقيقةٍ واحدة:
أن شعبها ما زال قادراً على حمل مبادئه فوق كتفيه كما يحمل الأحرار راياتهم في ساحات الكرامة،
وأنه ما زال يقدّم للعالم درساً مفاده أن العزة ليست شعاراً يُرفع،
بل ثقافةٌ تُعاش، وإيمانٌ يُورث، وموقفٌ يُدفع ثمنه بكل فخر.


