من التهديد إلى “المرور البريء”… كيف فرضت إيران معادلة هرمز؟

من التهديد إلى “المرور البريء”… كيف فرضت إيران معادلة هرمز؟
يعكس طرح «المرور البريء» تحوّلًا في معادلة هرمز من التهديد العسكري إلى التكيّف مع توازن ردع فرضته إيران، بما يكرّس دورها السيادي والميداني في تنظيم أمن المضيق..

واشنطن التي هدّدت بفتح هرمز بالقوة قد تجد نفسها تعبره وفق القواعد التي فرضتها طهران تحت سقف القانون الدولي.

لأشهر طويلة، ارتفع الخطاب الأمريكي تجاه مضيق هرمز إلى سقوف غير مسبوقة. تصريحات متتالية عن “ضمان حرية الملاحة بالقوة”، وتهديدات مباشرة بأن واشنطن قادرة على فتح المضيق متى أرادت، وكأن المسألة مجرد قرار عسكري يمكن تنفيذه بضغطة زر. لكن الوقائع الميدانية والسياسية أثبتت أن هرمز ليس ممراً عادياً، بل عقدة جيوسياسية تتحكم بها توازنات دقيقة فرضت على الجميع إعادة الحسابات.

اليوم، ومع تصاعد الحديث في الأوساط السياسية والدبلوماسية عن حلول قانونية مرتبطة بما يسمى “المرور البريء”، يبدو أن المشهد يتجه نحو تحول بالغ الأهمية: الانتقال من منطق كسر الإرادات إلى منطق إدارة التوازنات.

فالمرور البريء في القانون الدولي البحري لا يعني انتزاع السيادة من الدولة المشاطئة، بل على العكس، هو اعتراف ضمني بأن هذه الدولة تملك سلطة وسيادة على مياهها الإقليمية، مع السماح في الوقت نفسه بحركة عبور غير عدائية للسفن. وهنا تحديداً تكمن النقطة المفصلية في قضية هرمز.

إذا اضطرت الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة إلى المرور تحت هذا السقف القانوني، فهذا يعني عملياً أن واشنطن انتقلت من خطاب “فتح المضيق بالقوة” إلى القبول بقواعد الاشتباك التي فرضتها إيران بحكم الجغرافيا والردع والسيطرة الميدانية.

إيران لم تحتج إلى إغلاق المضيق بشكل كامل كي تفرض معادلتها، بل كان يكفي أن تجعل كلفة المواجهة مرتفعة إلى الحد الذي يدفع القوى الكبرى للبحث عن مخارج قانونية وسياسية تحفظ الحد الأدنى من التوازن. ومن هنا بدأ الحديث عن “المرور البريء” كحل يحفظ ماء الوجه للجميع: فلا أمريكا تظهر بمظهر المتراجع بالكامل، ولا إيران تبدو وكأنها تخلت عن سيادتها أو عن موقعها الاستراتيجي.

الأهم أن أي اعتماد فعلي لهذا المسار سيحمل دلالة أبعد من مجرد تنظيم الملاحة البحرية، إذ سيعكس اعترافاً دولياً غير مباشر بأن أمن هرمز لم يعد يُدار فقط بالبوارج والأساطيل، بل أيضاً بالمعادلات التي فرضتها طهران على أرض الواقع.

القبول بالمرور البريء يعني ضمنياً أن واشنطن تعترف بأن إيران لم تعد مجرد جهة فاعلة عابرة في معادلة هرمز، بل شريكاً غير متماثل في تحديد قواعد اللعبة. إنه اعتراف بأن التهديد بالقوة لم يعد أداة فعالة في مضيق تحول إلى مسرح لتوازن ردع هش لكنه حقيقي. والأهم أن طهران استطاعت أن تحوّل الموقع الجغرافي إلى أصل دبلوماسي دائم، ليس فقط عائقاً عسكرياً. وبهذا، فإن صيغة “المرور البريء” ليست تنازلاً إيرانياً، بل إعادة إنتاج للنظام القائم تحت مسمى قانوني أكثر قابلية للتصدير غرباً. وما يحدث الآن هو أن أمريكا قد تضطر إلى المرور من الباب الذي ساعدت في بنائه.

لذلك، إذا بدأ هذا المصطلح يتكرر في الإعلام خلال الأيام المقبلة، فلا ينبغي النظر إليه كتفصيل قانوني تقني، بل كعنوان لمرحلة جديدة انتقلت فيها المواجهة من التهديد العسكري المفتوح إلى التكيّف مع توازن ردع فرض نفسه على الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *