الاتفاق الذي أرعب تل أبيب: هل تصبح سوريا ساحة الهروب الإسرائيلي؟

الاتفاق الذي أرعب تل أبيب واحتمال انتقال التصعيد الإسرائيلي إلى سوريا
يناقش المقال قلق تل أبيب بعد التفاهمات الأخيرة وصمود إيران، واحتمال انتقال إسرائيل إلى الساحة السورية بحثاً عن تعويض سياسي ومعنوي، مع تحليل دور تركيا ومخاطر سوء الحسابات...

الاتفاق الذي أرعب تل أبيب وتحول ميزان الردع

الاتفاق الذي أرعب تل أبيب لم يكن مجرد تفاهم سياسي عابر، بل جاء في سياق إقليمي جديد أظهر أن إيران نجحت في تثبيت نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه أو فرض الشروط عليه بالقوة. فبعد أسابيع من التهديدات والتصعيد، انتهى المشهد إلى تفاهمات ووقائع جديدة لم تستطع إسرائيل أن تكون صاحبة القرار الحاسم فيها، وهو ما ولّد حالة قلق واضحة داخل الأوساط الإسرائيلية التي كانت تنتظر نتائج مختلفة تماماً.

لقد خرجت إيران من المواجهة وهي تؤكد قدرتها على الصمود وفرض حضورها في أي معادلة تخص المنطقة. كما استعاد محور المقاومة جانباً مهماً من الثقة والمعنويات، بعد مرحلة حاول فيها الخصوم الإيحاء بأنه فقد زمام المبادرة أو لم يعد قادراً على التأثير في مسار الأحداث.

إيران وتثبيت معادلة الصمود

أصبحت الرسالة الأساسية بعد المواجهة واضحة: الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، مهما بلغت، لم تنجح في كسر الإرادة الإيرانية أو دفع طهران إلى التراجع عن ثوابتها الأساسية.

فالمواجهة لم تكن اختباراً للقوة العسكرية وحدها، بل اختباراً لقدرة إيران على امتصاص الضغط وتحويله إلى ورقة سياسية. وفي هذا المعنى، لم يكن الصمود موقفاً دفاعياً فقط، بل تحول إلى عنصر تفاوضي يفرض نفسه على الخصوم والحلفاء معاً.

وهنا تكمن خطورة ما حدث بالنسبة لإسرائيل. فتل أبيب كانت تراهن على أن التصعيد سيؤدي إلى إضعاف إيران أو عزلها أو دفعها إلى تقديم تنازلات واسعة. غير أن النتيجة جاءت معاكسة، إذ وجدت إسرائيل نفسها أمام خصم خرج من المواجهة أكثر حضوراً في الحسابات الإقليمية.

القلق الإسرائيلي بعد فشل صورة الحسم

من هنا يمكن فهم حالة التوتر الإسرائيلية المتصاعدة. فنتنياهو يدرك أن الرأي العام الإسرائيلي يحتاج إلى صورة انتصار تعوض الإخفاقات الأخيرة، وتمنح حكومته هامشاً سياسياً داخلياً في ظل الضغوط المتزايدة عليه.

لكن المشكلة أن تحقيق صورة الانتصار لم يعد سهلاً. فالجبهة الإيرانية أثبتت أنها أكثر تعقيداً من أن تُحسم بالضغط المباشر، والجبهات المرتبطة بمحور المقاومة لا تزال قادرة على إنتاج معادلات ردع تربك الحسابات الإسرائيلية.

لذلك قد تتجه الأنظار نحو الساحة السورية باعتبارها، في نظر بعض دوائر القرار الإسرائيلي، الحلقة التي يمكن استخدامها لتعويض الفشل أو لاستعادة المبادرة. غير أن الحسابات في سوريا ليست بسيطة، ولا تخلو من مخاطر استراتيجية كبيرة.

هل تصبح سوريا ساحة الهروب الإسرائيلي؟

السؤال المطروح اليوم هو: هل تصبح سوريا ساحة الهروب الإسرائيلي من مأزق المواجهة مع إيران؟
قد تبدو الساحة السورية، للوهلة الأولى، أقل كلفة من مواجهة مباشرة مع إيران أو اشتباك واسع مع حزب الله في لبنان. لكن هذا التصور يتجاهل طبيعة التشابك الإقليمي والدولي داخل سوريا.

فسوريا لم تعد ساحة مفتوحة يمكن لأي طرف أن يتحرك فيها بلا حساب. هناك مصالح روسية وتركية وإيرانية وعربية ودولية، وهناك توازنات محلية دقيقة، وهناك مناطق نفوذ متداخلة تجعل أي مغامرة واسعة قابلة للتحول إلى أزمة أكبر من الهدف الذي انطلقت من أجله.

ومن ثم، فإن أي محاولة إسرائيلية لتوسيع التصعيد في سوريا قد لا تنتج انتصاراً سريعاً، بل قد تفتح مساراً جديداً من الاستنزاف السياسي والأمني.

تركيا كعامل كابح في المعادلة

يشكل الموقف التركي عاملاً إضافياً في حسابات تل أبيب. فأنقرة تنظر بعين الريبة إلى أي محاولة إسرائيلية لإعادة رسم خرائط النفوذ داخل سوريا أو فرض وقائع جديدة على الأرض.

تركيا ترى أن التمدد الإسرائيلي غير المنضبط في الساحة السورية لا يمس سوريا وحدها، بل يمس توازنات الأمن التركي ومصالح أنقرة الاستراتيجية، خصوصاً في مناطق الشمال السوري ومسارات النفوذ الحدودي والإقليمي.

لذلك، فإن أي تصعيد إسرائيلي كبير في سوريا قد يفتح الباب أمام احتكاكات سياسية وأمنية غير محسوبة بالنسبة لتل أبيب. فإسرائيل قد تبحث عن ساحة أقل كلفة، لكنها قد تجد نفسها أمام لاعب إقليمي كبير لا يرغب في ترك سوريا تتحول إلى مساحة نفوذ إسرائيلية مفتوحة.

سوريا بين الفرصة التكتيكية والعبء الاستراتيجي

الأهم من ذلك أن أي انتقال للمواجهة نحو الساحة السورية لن يُقرأ بوصفه تحركاً عسكرياً معزولاً، بل باعتباره محاولة لإعادة تشكيل ميزان الردع الإقليمي بعد تعثر تحقيق أهداف استراتيجية في جبهات أخرى.

وفي مثل هذه الحالات، لا تُقاس النتائج بعدد الضربات أو حجم النيران، وإنما بقدرة كل طرف على فرض قواعد اشتباك جديدة تمنح خصومه هامشاً أضيق للمناورة.

وهذا ما يجعل سوريا ساحة شديدة الحساسية. فقد تتحول من فرصة تكتيكية مؤقتة إلى عبء استراتيجي طويل الأمد إذا أساءت إسرائيل تقدير تداعيات التصعيد فيها.

خطر سوء الحسابات الميدانية

تزداد خطورة الساحة السورية بسبب احتمالات سوء الحسابات الميدانية. فتداخل الأدوار بين الفاعلين المحليين والخارجيين يجعل أي ضربة محدودة قابلة لإنتاج ردود غير متوقعة.

قد تبدأ المواجهة بعملية عسكرية محسوبة، لكنها قد تتوسع بفعل رد فعل من طرف محلي، أو اعتراض من قوة إقليمية، أو رسالة من طرف دولي، أو محاولة لاستغلال الفراغ من قبل أطراف أخرى.

وفي بيئة كهذه، تصبح السيطرة على التصعيد أكثر صعوبة. فكل طرف قد يدخل المعادلة من زاوية مختلفة، لكن النتيجة قد تتجاوز الأهداف المعلنة للجميع.

نتنياهو والبحث عن تعويض سياسي

احتمال فتح جبهة سورية يبقى وارداً، لكنه لا يأتي من موقع القوة والاطمئنان، بل من موقع البحث عن تعويض معنوي وسياسي بعد عجز إسرائيل عن تحقيق الأهداف الكبرى التي رفعتها في مواجهة إيران.

نتنياهو، المحاصر بضغوط داخلية وخارجية، يحتاج إلى إنجاز يمكن تسويقه للرأي العام الإسرائيلي. والساحة السورية قد تبدو له مساحة مناسبة لإنتاج هذا الإنجاز، لأنها لا تحمل في الظاهر كلفة الحرب المباشرة مع إيران أو لبنان.

لكن هذا الحساب قد يكون مضللاً. فالحروب لا تُقاس فقط ببداياتها، بل بمآلاتها. وقد تكتشف إسرائيل أن الهروب إلى سوريا لا يفتح باب الخروج من الأزمة، بل يوسع دائرة التورط.

الاتفاق كرسالة إلى تل أبيب

النتيجة الأبرز حتى الآن أن إيران أثبتت قدرتها على تحويل الضغوط إلى فرص. فبدلاً من أن تقود المواجهة إلى عزلها أو إضعافها، انتهت إلى تثبيت حضورها في معادلة التفاوض والردع.

وهذا ما يفسر قلق تل أبيب. فالخطر بالنسبة لإسرائيل لا يكمن فقط في بنود الاتفاق أو التفاهمات، بل في الدلالة السياسية والاستراتيجية لهذه اللحظة: إيران لم تُكسر، ومحور المقاومة لم ينهَر، والولايات المتحدة لم تمنح إسرائيل حرية كاملة في إدارة المواجهة كما تريد.

ومن هنا، فإن أي محاولة إسرائيلية للانتقال إلى سوريا ستكون، في جانب منها، محاولة للرد على هذه الدلالة أكثر مما هي استجابة لحاجة عسكرية مباشرة.

محور المقاومة واستعادة زمام المبادرة

استعاد محور المقاومة جزءاً من زمام المبادرة، لا لأنه حقق انتصاراً كاملاً بالمعنى العسكري المباشر، بل لأنه منع خصومه من فرض نتائجهم النهائية. وهذا النوع من الصمود يكفي أحياناً لتغيير الحسابات السياسية.

فعندما يفشل الخصم في فرض شروطه، تصبح قدرة الطرف الآخر على البقاء والمناورة مكسباً استراتيجياً. وعندما تتحول الضغوط إلى عامل تماسك بدلاً من التفكك، يصبح التصعيد سلاحاً ذا أثر عكسي على من أطلقه.

ولهذا، فإن إسرائيل تقرأ المشهد بقلق. فهي لا تواجه مجرد جبهة واحدة، بل شبكة ردع ممتدة قادرة على توزيع الضغط وإرباك الخيارات.

مستقبل الردع في المنطقة

المعادلة الإقليمية اليوم تتحرك نحو مرحلة أكثر تعقيداً. لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لإنتاج الحسم، ولم يعد بإمكان أي طرف أن يفترض أن الضربات المحدودة ستبقى دائماً ضمن حدودها.

إيران أثبتت أنها حاضرة في أي معادلة تخص مستقبل المنطقة. وتركيا تراقب سوريا من زاوية مصالحها الخاصة. ومحور المقاومة يستعيد جزءاً من ثقته. وإسرائيل تبحث عن مخرج سياسي ونفسي من إخفاقات متراكمة.

في هذه البيئة، تصبح سوريا اختباراً بالغ الحساسية. فإذا تعاملت معها إسرائيل كساحة تعويض سهلة، فقد تجد نفسها أمام جبهة أشد تعقيداً مما تتوقع.

خاتمة: سوريا ليست مخرجاً آمناً

في المحصلة، يكشف الاتفاق الذي أرعب تل أبيب أن إسرائيل لم تعد قادرة على إدارة المنطقة وفق حساباتها وحدها. فقد أظهرت المواجهة الأخيرة أن إيران قادرة على الصمود، وأن محور المقاومة لم يفقد قدرته على التأثير، وأن أي محاولة لفرض شروط بالقوة ستصطدم بوقائع ميدانية وسياسية جديدة.

أما سوريا، فقد تبدو للبعض ساحة هروب إسرائيلي من مأزق المواجهة مع إيران، لكنها في الواقع ساحة معقدة ومفتوحة على احتمالات واسعة. وما قد يبدأ كضربة محدودة لتعويض إخفاق سياسي قد يتحول إلى عبء استراتيجي جديد.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ستفتح إسرائيل جبهة سورية؟ بل: هل تستطيع تل أبيب تحمل نتائج هذه الجبهة إذا تحولت من فرصة تكتيكية إلى مأزق إقليمي جديد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *