إنَّ العراق يعيش مأزق سياسي مستمر، فلم يفارقه عبر حقب تاريخية متعقبة، ولاسيما بعد عام 2003م، أي مع بدء النظام الديمقراطي بصورته الآنية في العراق، إذ إنَّ الأحزاب السياسية تعيش تخبطًا في عملها السياسي، وكأنها لا تتعلم الدرس مما جرى ويجري معها، على الرغم من أنَّ بعض هذه الأحزاب السياسية يمتد تاريخها أكثر من 40 عامًا.
إنَّ تعامل الأحزاب السياسية العراقية مع تحديات الواقع السياسي في العراق يبدو بعيدًا عن أبجديات التنظير السياسي، فضلًا عن كونها غير متناغمة مع متطلبات الشارع العراقي، إذ إنَّهم في وادٍ والشعب في وادٍ آخر، وما يعبرون عنه من رؤى وطروحات في الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي لا يمثل جوهر وحقيقة العمل السياسي، إذ ينصب طرحهم على التراشق فيما بينهم بدلًا من الجلوس معًا والخروج بحلولٍ تنفع الشعب.
إنَّ واحدة من التحديات التي تواجه الأحزاب السياسية العراقية هو كسب تأييد فئات المجتمع العراقي، إذ تواجه الكثير من هذه الأحزاب في استقطاب اتباع لها، وهذا يرجع لخلل كبير في منظومتهم الفكرية السياسية، إذ إنَّ هذه الأحزاب لا تطرح مبادئها وأفكارها السياسية وتسعى إلى تنفيذها بشتى الطرق، وإنَّما تهدف إلى الاعتماد على طرقٍ أخرى في الاستقطاب السياسي وتحشيد الاتباع، وهذه الطرق كثيرًا ما تثبت فشلها، فضلًا عن أنَّ غياب الرؤى والطروحات السياسية يجعل من هذه الأحزاب مشتتة في عملها السياسي، بالإضافة إلى التخبط المستمر في تنفيذ آلياتها.
على سبيل المثال، إذ فرد ما يريد أنْ ينتمي إلى الحزب الفلاني، أليس في بداية الأمر عليه أنْ يطلع على أفكار ومبادئ وطروحات ونظريات هذا الحزب؟ وأنْ يعرف ما هي أهدافه، وإلى ماذا يسعى؟ إذ ما موجود اليوم هو أغلب المنتمين للأحزاب السياسية في العراق هو انتماء عقائدي أو انتماء وهمي، وليس انتماءً سياسيًا، وهذا ما يربك حسابات هذه الأحزاب، إذ إنَّها لا تمتلك جمهورًا حقيقًا تستطيع الاعتماد عليه، والغريب في الأمر أنَّ هذه الأحزاب لم تلتفت أو تهتم في هذه المسألة، إذ إنَّهم مستمرون في السير بطريقٍ خاطئ لا يعتمد على أبجديات العمل السياسي.
وللجدير بالذكر، أنَّ أغلب هذه الأحزاب لا تنظر أبد للمخاطر التي يقع بها العراق، كمخاطر داخلية أم خارجية، فهي تنظر فقط لمصالحها الشخصية، وكيف تحاول الحصول على قدر كبير من هذه المصالح، ولا يحاولون التعاطي مع الأزمات التي تحدث بالمنطقة بصورةٍ عقلانية أو استشرافية للمستقبل، ولاسيما أنَّ أمن العراق مرهون بالتطورات السياسية التي تحدث بالشرق الأوسط، ذلك لكون موقع العراق الاستراتيجي يضعه في قلب هذه الأحداث، فضلًا عن ما تقوم به دولة الاحتلال (الكيان الصهيوني) من تدمير للمنطقة لأجل السيطرة عليها وتفتيت الدول العربية ومحاولة إضعافها لسهولة التحكم فيها، يتحتم علينا أنْ نراقب هذه الأحداث بتعمق أكبر، ومحاولة إيجاد الأدوات الردع المناسبة إذا واجه العراق مخاطر أمنية كبرى.
على الأحزاب السياسية في العراق إعادة النظر في طريقة عملها، فضلًا عن تبنيها لطروحات سياسية تناسب أفكارها وعملها، وأيضًا على الأحزاب السياسية تبني فكر اقتصادي واضح وتسعى لتطبيق عبر ممثليها في الحكومة العراقية، ولاسيما في الجانب الاقتصادي، لأجل خروج العراق من المأزق الاقتصادي الخانق الذي يعيشه منذ سنوات عديدة.


