إذا كانت الرواتب تمثل التهديد الظاهر فإن الأمن الغذائي هو الخطر الصامت لان العراق يستورد نسبة كبيرة من غذائه من الحبوب إلى الزيوت والمواد الأساسية حيث ان أي اضطراب في الملاحة أو ارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين سيؤدي مباشرة إلى زيادة الأسعار للسلع الاساسية في الأسواق المحلية.
السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في انقطاع ونقص الغذاء بقدر ما هو تضخم في أسعار الغذاء ومع غياب مخزون استراتيجي كافٍ أو سياسات واضحة لتأمين سلاسل الإمداد البديلة سيجد المواطن نفسه أمام أسعار تتصاعد بوتيرة أسرع من قدرته الشرائية.
ان ثغرة التخطيط والمشكلة هي ان الأزمة لا تكمن فقط في الاعتماد على النفط أو الاستيراد بل في غياب التخطيط الاستباقي. حتى الآن لا توجد مؤشرات واضحة على وجود سيناريوهات حكومية مُعلنة للتعامل مع حالة انقطاع ونقص الإيرادات كما أن تنويع منافذ التصدير أو تعزيز الإنتاج المحلي لا يزالان دون المستوى المطلوب وهذا الغياب لا يعني بالضرورة عدم وجود تفكير او دراية داخل المؤسسات لكنه يعكس ضعفًا في تحويل المخاطر المتوقعة إلى سياسات جاهزة للتنفيذ في أوقات الطوارئ يعني بالعامية (عايشين عالبركة).
اعتقد إذا استمر تعطيل مضيق هرمز لعدة أشهر فإن العراق سيدخل مرحلة أكثر تعقيدًا بحيث سيحصل تآكل تدريجي في الاحتياطيات المالية وتأخر محتمل في دفع الرواتب أو إعادة جدولته وارتفاع ملحوظ في أسعار الغذاء والسلع الأساسية مما يسبب ضغط اجتماعي متزايد قد يتحول إلى اضطراب سياسي وفي هذه المرحلة تصبح القرارات أصعب والخيارات أكثر كلفة. (مو تشاؤم)
والأخطر من الارتفاع المؤقت في الأسعار هو احتمال تحوّل الأزمة إلى تغيير هيكلي في أنماط الاستهلاك والاستقرار الاقتصادي. فحين تتراجع القدرة الشرائية للأسر بشكل متواصل، لا يقتصر الأثر على الغذاء وحده، بل يمتد إلى الصحة والتعليم والاستثمار الأسري، ما يخلق حلقة من الضغوط المتراكمة يصعب كسرها لاحقاً. وتجارب العديد من الدول أثبتت أن أزمات الأمن الغذائي لا تُقاس بحجم السلع المتوفرة في الأسواق فقط، بل بقدرة المواطنين على الوصول إليها بأسعار معقولة، وهي معادلة تصبح أكثر هشاشة كلما ازداد الاعتماد على الخارج وتراجعت مرونة الاقتصاد المحلي في مواجهة الصدمات.
ان الدول التي تواجه مخاطر مشابهة تعمل عادة على بناء شبكات أمان متعددة وتشمل إنشاء صناديق طوارئ تغطي النفقات الأساسية لعدة أشهر وتوفير مخزون غذائي استراتيجي يكفي لفترات الأزمات على الأقل ستة اشهر وتنويع طرق التصدير والاستيراد والاهم هم دعم الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد الخارجي والاستيراد لابسط الحاجات علما ان هذه الإجراءات لا تمنع الأزمة لكنها تقلل من حدتها وتمنح صانع القرار وقتًا للمناورة والابتعاد عن الضغط المباشر. (بردا وسلاما على شعبنا وعراقنا الحبيب)


