لاشك ان صناع القرار في العراق وخاصة القرار الاقتصادي على دراية تامة بأن تعظيم الموارد غير النفطية في الاقتصاد العراقي يتطلب تحولا هيكليا شاملا في الاقتصاديات عبر استثمار المزايا النسبية للعراق وتطوير القطاعات الانتاجية التي باستطاعتها خلق قيمة مضافة وتنويع وزيادة فرص العمل المستدامة ومن هذه القطاعات هي القطاعات المالية والزراعية والنقل والسياحة والاقتصاد الرقمي على اعتبار ان هذه القطاعات هي قطاعات ذات اولوية للمجتمع العراقي لكن نجاح هذه التجربة الاستثمارية واستراتيجيتها يعتمد على توفير مؤسسات فعالة وبيئة مستقرة واصلاحات هيكيلة لتعمل على تعزيز الدور المناط بالقطاع الخاص ورفع كفائته وعندها يكون الاقتصاد العراقي في مراحل انتقال ديناميكي نحو اقتصاد السوق والتنوع المنشود لتحقيق التنمية المستدامة لان الهشاشة الاقتصادية التي خلقتها الموارد النفطية الضخمة للحكومة العراقية اطاحت بالتفكير الاقتصادي والتخطيط الاقتصادي واركنته جانبا لتصبح بذلك موزانة الدولة العراقية ونشاطها الاقتصادي مرتبطين بتقلبات اسعار النفط العالمية وبتراجع هذه الاسعار يتراجع معها النشاط الاقتصادي العراقي فتتأثر المشاريع الاستثمارية وسوق العمل بصورة عامة.
وعليه فان تعظيم الموارد غير النفطية التي نادى بها رئيس مجلس الوزراء الجديد السيد #علي_الزيدي لم يعد مجرد نداء او خيار اقتصادي بل هو اساس الاستراتيجية المنشودة التي يأمل من خلالها ضمان الاستقرار الاقتصادي المالي وتحقيق التنمية المستدامة وزيادة فرص العمل وتفعيل البطالة المقنعة في القطاع العام من جهة وتنفيذ إصلاحات مالية في مؤسسات القطاع الخاص لرفع كفاءة الاقتصاد العراقي من جهة اخرى، لذا فعلى الحكومة العراقية وضع استراتيجية وطنية تمتد لعدة سنوات (10 سنوات على اقل تقدير) تكتب من قبل اساتذة #الاقتصاد في الجامعات العراقية تتخللها اهدافا كمية تعمل على زيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الاجمالي العراقي والايرادات العامة تدريجيا ليتحول بذلك الاقتصاد العراقي الى اقتصاد انتاجي معرفي عبر دعم المشاريع غير النفطية بجزء من الواردات النفطية بدلا من استمرارها كواردات استهلاكية تستهلك بالكامل في النفقات التشغيلية من رواتب واعانات غير منتجة، ثم قياس جميع المؤشرات التي تبين مستوى نمو الايرادات غير النفطية في الموازنة مثل نسبة مساهمة قطاعات المعرفة في الناتج وجميع القطاعات غيرالنفطية ايضا وحجم صادرات السلع غير النفطية وعدد فرص العمل الرقمية والمعرفية بصورة خاصة فضلا عن مستوى مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الكلي العراقي.
وللقطاع الخاص الدور الاكبر الذي ينبغي على الحكومة مراعاته كما كتبنا سابقا، فاقتصاد السوق يتمثل في مستوى الاستثمار الخاص في الاقتصاد الكلي لذا ينبغي تبسيط جميع الاجراءات الحكومية التي تتعلق بتأسيس الشركات لاسيما المساهمة منها راجع المقال (https://ar.shahidkhames.com/?p=28168) فضلا عن تطوير التشريعات والانظمة القانونية وحماية القضاء الاقتصادي ودعمه لتوفير الحماية الضرورية للمستثمرين كافة ومكافحة جميع اشكال الفساد الاداري والمالي كونه يمثل العقبة الاكبر في طريق النجاح لجميع الخطط والاستراتيجيات الاقتصادية في العراق والدول النامية لتزداد بذلك جميع تكاليف الاستثمار ويعمل على هز ثقة المستثمرين بالنظام الاقتصادي والتسبب بهدر الموارد العامة وتخفيض الكفاءة الاقتصادية، ولابد ان يكون للقطاع الزراعي دورا رئيسا في الخطط الحكومية كونه من اهم القطاعات التي باستطاعتها تحقيق التنويع الاقتصادي لما له من ميزة تنافسية بسبب توفر الاراضي والموارد البشرية والخبرة المتراكمة كون العراق بلد زراعي في الاصل لكن لابد من مراعاة وتحقيق بعض الشروط للنهوض بواقع هذا القطاع خاصة تقليل الهدر المائي الذي اصبح في السنوات الاخيرة مصدر قلق بسبب قلة الامطار وانخفاض مناسيب نهري دجلة والفرات بسبب بناء السدود التركية وغيرها، ثم ادخال افضل التقنيات الزراعية والاسمدة وتطوير التسويق الزراعي ثم انشاء وتطوير الصناعات الغذائية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بما ينتج في العراق لتنخفض بذلك فواتير الاستيراد الغذائي وتحسين وتعزيز الميزان التجاري فضلا عن زيادة فرص العمل وتفعيل دور مخرجات كليات العلوم الزراعية التي لم تكن من الكليات التي يرغب بها طلبة العراق لعدم توفر فرص العمل لحملة شهاداتها.
من جهة اخرى فأن تعزيز الصناعات التحويلية من شأنه ان يقوم العمود الفقري للاقتصاد العراقي على اعتبار ان كل دينار يتم استثماره في الصناعة يولد قيمة مضافة اكبر وفرص عمل اكثر مقارنة بالقطاعات الاخرى ومنها الصناعات الغذائية والدوائية والنسيجية والبتروكيماوية عبر انشاء مدن صناعية تحتوي على البنى التحتية الضرورية لادامة عملها من خدمات لوجستية وطاقة مسترقة مع تعزيز ودعم المستثمرين بكافة الوسائل التي تضمن نجاح استثماراتهم وتسويق منتجاتهم واستغلال الموقع الجغرافي للعراق لتحويله الى مركز اقليمي لللنقل والتجارة عبر عدة خطوات منها:
- تحديث الموانئ العراقية وتطويرها لتكون بمصاف الموانئ الكبرى
- تطوير وانشاء سكك حديدية جديدة تعمل على ربط الموانئ بالمدن الصناعية
- توسيع المطارات وزيادة قدرتها التجارية
- انشاء مناطق لوجستية حرة تعمل على تصريف المنتجات والصادرات العراقية
لتزداد بذلك الايرادات من رسوم النقل والخدمات اللوجستية والتجارة الحرة وزيادة الاستثمارات الاجنبية وتعزيز النشاط الاقتصادي في اغلب المحافظات العراقية.
ثم والاهم من ذلك تضمين التحول نحو الاقتصاد المعرفي في العراق بسبب التحول العالمي المتسارع نحوه سيما وان للعراق كما اثبتت الدراسات القدرة والقاعدة الداعمة لذلك شرط تعزيز البنية التحتية للاتصالات وتوسيع خدمات الانترنيت عالي السرعة ودعم الشركات الرقمية الناشئة والتجارة الالكترونية وتفعيل الحوكمة الالكترونية ودعم الخدمات الحكومية ثم ان مثل هذا الخدمات توفر فرص عمل عالية المهارة وتساعد على زيادة انتاجية الاقتصاد العراقي ثم والاهم من ذلك ان يتمتع الاقتصاد العراقي بنظام مصرفي كبير لانه القلب النابض لعمليات التنمية الاقتصادية واقتصاد السوق فلابد من تفعيل دور النظام المالي المصرفي لتمويل المشاريع الاستثمارية ضمن الخطط الموضوعة مسبقا وتعزيز سوق الاوراق المالية بدفع الشركات لتكون شركات مساهمة للحصول على تمويل من قبل الافراد والقضاء على الادخار المنزلي ثم تفعيل الشمول المالي الرقمي للفئات المهمشة من النساء وسكنة الارياف وغيرهم وتعزيز المدفوعات الالكترونية والعمل بادوات السياسة النقدية بما يتلائم وخطط اقتصاد السوق لاسيما تفعيل قناة سعر الفائدة كما ذكرنا ذلك في المقال (https://ar.shahidkhames.com/?p=27388)
ولا يفوتنا ان ننسى ما للسياحة الدينية من اثر كبير في تنويع مصادر الدخل وزيادة فرص العمل في البلد لما للعراق من اهمية دينية كبيرة لاغلب الدول لكثرة المراقد الدينية لاهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ثم للسياحة بصورة عامة دورا مهما ايضا بسبب وجود المواقع الاثرية والحضارية والتنوع البيئي فضلا عن الارث الثقافي والتاريخي بعد ان يتم تطوير هذا القطاع عبر تحسين البنية التحتية والفندقية والنقل والتسويق السياحي وتسهيل دخول الزائرين الكرام كونهم مصدر مهم لتوفر العملات الاجنبية للاقتصاد العراقي.
اخيرا الاستثمار في راس المال البشري القيمة الاكبر والنجاح الاوسع للدولة، لذلك فان العمل على تطوير المناهج التعليمية وربطها بسوق العمل وتوسيع التدريب المهني ودعم البحث العلمي وتشجيع ريادة الاعمال عبر معاهد التدريب كل ذلك يرفع من جودة رأس المال البشري لترتفع بذلك الانتاجية في الاقتصاد العراقي والقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني ولتزداد بذلك مصادر الدخل عبر القطاعات غير النفطية لزيادة وتعظيم واردتها.


