الصندوق السيادي العراقي الخليجي شراكة تنموية أم ارتهان اقتصادي؟

الصندوق السيادي العراقي الخليجي شراكة تنموية أم ارتهان اقتصادي؟
تتطلب حماية الثروة النفطية العراقية تأسيس صندوق سيادي وطني مستقل، قائم على الحوكمة والشفافية والاستقلال المالي، مع الاستفادة الحذرة من الشراكات الخارجية دون تحويلها إلى أداة ارتهان اقتصادي أو سياسي...

لماذا يبقى الصندوق السيادي الوطني المستقل خيار الأجيال القادمة؟ الصندوق السيادي العراقي الخليجي بين ضرورات التمويل ومخاطر الارتهان هل الحل في الشراكة الخارجية أم في بناء صندوق سيادي وطني مستقل؟

يواجه العراق إشكالية اقتصادية تتمثل في الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية مقابل ضعف إدارة الفوائض المالية وغياب أدوات الادخار والاستثمار طويلة الأجل.

ويُطرح إنشاء صندوق سيادي عراقي خليجي مشترك كخيار لجذب الاستثمارات والخبرات وتمويل المشاريع الاستراتيجية.

إلا أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر محتملة تتعلق بتأثير الأطراف الخارجية على القرار الاقتصادي الوطني وإمكانية تحول الشراكة إلى مصدر ارتهان اقتصادي أو سياسي.

وتُظهر التجارب الدولية أن نجاح الصناديق السيادية يرتبط بالحوكمة والاستقلالية والشفافية أكثر من ارتباطه بحجم الموارد المتاحة.

كما أن معالجة الاختلالات المالية والاقتصادية الهيكلية تبقى شرطاً أساسياً لنجاح أي صندوق سيادي مهما كان شكله.

وعليه تتمثل التوصية الرئيسية في إعطاء الأولوية لتأسيس صندوق سيادي وطني مستقل يخضع لضوابط قانونية ومؤسسية صارمة مع إمكانية الاستفادة من الشراكات الخارجية دون التفريط بالسيادة الاقتصادية.

يعود الحديث مجدداً عن إنشاء صندوق سيادي عراقي خليجي مشترك في وقت يواجه فيه العراق تحديات مالية واقتصادية متراكمة تتمثل بالاعتماد شبه المطلق على الإيرادات النفطية، وتضخم الإنفاق التشغيلي وتراجع الاستثمار المنتج فضلاً عن المخاطر المرتبطة بتذبذب أسعار النفط العالمية.

وبين من يرى في الصندوق المشترك فرصة لجذب رؤوس الأموال والخبرات والاستثمارات الخليجية وبين من يخشى تحوله إلى أداة تأثير اقتصادي وسياسي طويلة الأمد، تبرز الحاجة إلى قراءة علمية ومالية ونقدية تتجاوز الشعارات الآنية نحو بناء استراتيجية اقتصادية مستدامة تحفظ حقوق الأجيال القادمة.

الإشكالية الاقتصادية

لا تكمن أزمة العراق في نقص الموارد المالية، بل في سوء إدارة الفوائض النفطية عبر عقود طويلة. فمنذ عام ٢٠٠٣ تجاوزت الإيرادات النفطية التراكمية مئات المليارات من الدولارات، فيما تشير بيانات الموازنات العراقية الحديثة إلى أن النفط ما زال يوفر أكثر من ٩٠% من الإيرادات العامة ونحو ٩٥% من عائدات التصدير. وفي موازنة ٢٠٠٣ التي تجاوز حجمها ١٩٨ تريليون دينار عراقي، استحوذ الإنفاق التشغيلي على ما يقارب ٧٠% من إجمالي الإنفاق، بينما قُدّر العجز المخطط بأكثر من ٦٠ تريليون دينار، ما يعكس استمرار الاختلال الهيكلي بين الإيرادات والنفقات.

إن إنشاء صندوق سيادي مشترك مع دول أخرى قد يوفر مصادر تمويل واستثمار إضافية، لكنه لا يعالج جوهر الأزمة المتمثلة بغياب سياسة مالية مستقرة وسياسة نقدية وتنموية متكاملة قادرة على تحويل الثروة النفطية إلى أصول إنتاجية مستدامة.

الصندوق السيادي الخليجي الفرص المحتملة

من الناحية النظرية يمكن أن يحقق الصندوق السيادي العراقي الخليجي عدة فوائد، منها:

* جذب الاستثمارات الإقليمية والدولية.

* نقل الخبرات الفنية والإدارية في إدارة الأصول.

* تمويل مشاريع البنى التحتية الكبرى.

* تقليل مخاطر الاعتماد على التمويل الحكومي المباشر.

* تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.

كما أن العديد من الصناديق الخليجية حققت نجاحات كبيرة في إدارة الفوائض المالية واستثمارها عالمياً، الأمر الذي يجعل الاستفادة من خبراتها أمراً مهماً للعراق.

مخاطر الارتهان الاقتصادي والسياسي

في المقابل تبرز مخاوف مشروعة تتعلق بتحول الصندوق المشترك إلى أداة تأثير على القرار الاقتصادي العراقي خصوصاً إذا ارتبطت قرارات الاستثمار والتخصيص والتمويل بإرادات خارجية أو أولويات لا تنسجم مع الاحتياجات الوطنية.

فالسيادة الاقتصادية لا تقل أهمية عن السيادة السياسية وأي صندوق مشترك يجب أن يخضع لقواعد واضحة تضمن عدم انتقال مركز القرار الاقتصادي العراقي إلى خارج الحدود الوطنية.

كما أن التجارب الدولية تشير إلى أن بعض الشراكات الاستثمارية العابرة للحدود تحولت مع الزمن إلى أدوات ضغط سياسي أو اقتصادي عند حدوث الأزمات أو الخلافات الإقليمية.

تجارب النجاح العالمية النرويج

يُعد الصندوق السيادي النرويجي النموذج الأنجح عالمياً، إذ تجاوزت أصوله 1.7 تريليون دولار في عام 2024، ويعتمد على استثمار عوائد النفط لصالح الأجيال القادمة وفق قواعد صارمة تمنع استخدام الأموال لأغراض سياسية أو انتخابية أو إنفاقية قصيرة الأجل. كما يمتلك حصصاً في آلاف الشركات حول العالم ويُعد أكبر صندوق سيادي من حيث حجم الأصول.

الإمارات

نجحت الصناديق السيادية الإماراتية، وعلى رأسها جهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA) ومبادلة، في إدارة أصول تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات، مع تنويع الاستثمارات في التكنولوجيا والطاقة والعقارات والبنية التحتية والأسواق المالية العالمية، مما وفر مصدراً مستقراً للعوائد بعيداً عن تقلبات النفط.

سنغافورة

رغم عدم امتلاكها للنفط، استطاعت عبر الصناديق الاستثمارية الحكومية مثل “تيماسيك” و”GIC” تحويل الفوائض والإدارات المالية الرشيدة إلى قوة اقتصادية عالمية، حيث تُدار أصول بمئات المليارات من الدولارات وفق معايير حوكمة وشفافية عالية.

تجارب الإخفاق

في المقابل فشلت بعض الدول الغنية بالموارد الطبيعية في تحويل ثرواتها إلى أصول مستدامة بسبب:

* الفساد الإداري والمالي.

* التدخلات السياسية.

* ضعف الحوكمة والرقابة.

* استخدام الصناديق لتمويل الإنفاق الحكومي الجاري.

* غياب الشفافية والإفصاح.

وأدى ذلك إلى استنزاف الأصول بدلاً من تنميتها، وضياع حقوق الأجيال اللاحقة.

هل يحتاج العراق صندوقاً سيادياً خليجياً أم صندوقاً وطنياً؟

الحاجة الحقيقية للعراق ليست إلى إنشاء صندوق خارجي أو مشترك بقدر حاجته إلى تأسيس صندوق سيادي وطني مستقل يمثل خزينة استراتيجية للأجيال القادمة.

إن الدولة التي تمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، يُقدّر بأكثر من ١٤٥ مليار برميل، لا تعاني من نقص الموارد بل من غياب الإدارة المؤسسية للفوائض المالية.

ففي السنوات التي ارتفعت فيها أسعار النفط، حقق العراق إيرادات نفطية سنوية تجاوزت ١٠٠ مليار دولار، إلا أن الجزء الأكبر منها ذهب لتغطية النفقات الجارية بدلاً من تكوين أصول استثمارية طويلة الأجل.

لذلك فإن الأولوية يجب أن تكون لإنشاء صندوق سيادي عراقي خالص تُودع فيه نسبة ثابتة من الإيرادات النفطية السنوية، وتُمنع الحكومات المتعاقبة من التصرف بأصوله إلا وفق ضوابط دستورية وقانونية صارمة.

الرؤية الاستراتيجية للصندوق السيادي الوطني العراقي

تقوم الرؤية المقترحة على خمسة مرتكزات:

أولاً: تخصيص نسبة لا تقل عن ١٠-١٥% من الإيرادات النفطية السنوية للصندوق.

ثانياً: استقلالية الإدارة عن السلطة التنفيذية والأحزاب السياسية.

ثالثاً: إشراف برلماني وقضائي ورقابي متخصص.

رابعاً: تنويع الاستثمارات داخلياً وخارجياً في قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة والتكنولوجيا واللوجستيات.

خامساً: اعتماد أعلى معايير الشفافية والإفصاح الدولية.

ولو تم تخصيص ١٠% فقط من الإيرادات النفطية السنوية خلال فترات الوفرة، لكان بالإمكان تكوين أصول تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات خلال عقد واحد، بما يضع العراق على مسار مشابه لتجارب الصناديق السيادية الناجحة في الخليج والنرويج.

السياسة المالية والنقدية قبل الصناديق

إن نجاح أي صندوق سيادي يتطلب إصلاحاً مالياً ونقدياً متزامناً يشمل:

* تقليل الاعتماد على النفط.

* توسيع القاعدة الضريبية العادلة.

* مكافحة الهدر والفساد.

* تطوير القطاع المصرفي.

* دعم القطاع الخاص.

* تعزيز الاحتياطيات الأجنبية.

* تحقيق الاستقرار النقدي وسعر الصرف.

فالصندوق السيادي ليس بديلاً عن الإصلاح الاقتصادي، بل نتيجة طبيعية له.

إن إنشاء صندوق سيادي عراقي خليجي قد يمثل فرصة استثمارية مهمة إذا بُني على أسس الشراكة المتكافئة والاحترام المتبادل للمصالح الوطنية، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلاً عن المشروع الاستراتيجي الأكبر المتمثل في تأسيس صندوق سيادي وطني مستقل يحفظ ثروة النفط للأجيال المقبلة.

وتُظهر المقارنة مع الصناديق السيادية العالمية أن النجاح لا يرتبط بحجم الموارد فقط، بل بقدرة الدولة على تحويل الإيرادات المؤقتة إلى أصول دائمة. فبينما تدير النرويج أصولاً تتجاوز 1.7 تريليون دولار، وتدير صناديق خليجية كبرى مئات المليارات من الدولارات، ما زال العراق يواجه تحديات العجز المالي والاعتماد المفرط على النفط رغم موارده الضخمة.

فالعراق لا يحتاج إلى إدارة مشتركة لثروته بقدر حاجته إلى إدارة وطنية كفوءة لها. وما لم تُستكمل الإصلاحات المالية والنقدية والمؤسسية، فإن أي صندوق سيادي مهما كان حجمه سيبقى مجرد وعاء مالي جديد لمشكلات قديمة.

إن المستقبل الاقتصادي للعراق يبدأ من بناء سيادة مالية حقيقية، لا من استبدال الاعتماد على القرار المالي الخارجي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *