مقدمة:
تطور النشاط السياسي الشيعي في العراق بعد الاحتلال الانكليزي للعراق، وقد بلغ النشاط السياسي الشيعي أوجه في الفترة التي سبقت ثورة العشرين، حيث نشبت ثورة النجف عام 1918 ضد الاحتلال الانكليزي، وكانت هذه الثورة إحدى أهم وأبرز العوامل والمقدمات لثورة العشرين التي اندلعت في العراق عام 1920. تلك الثورة التي كانت للمرجعية الشيعية في العراق دورا مهما فيها، هو دور الزعامة الروحية، بعد فتوى للمرجع الأعلى (محمد تقي الشيرازي) وهي الفتوى التي رفضت الحكم البريطاني ودعت إلى الجهاد ضد الانكليز، رغم القلة التي عارضت تلك الفتوى واعتبارها مغامرة لعدم تكافؤ القوى القتالية.
آية الله محمد باقر الصدر وموقفه من الدولة والإمامة:
وضح آية الله الصدر في نظريته للإمامة التي تمثل امتداد روحيا وعقائديا للنبوة، أن الإنسان في حقيقته حر ولا سيادة لإنسان آخر عليه أو لطبقة بشرية أو أية مجموعة بشرية تحاول التحكم في طبيعة الفرد، وإنما السيادة لله وحده، ولهذا يحرر المجتمع من كل أشكال الاستغلال والسيطرة البشرية. ويؤكد بأن الله سبحانه وتعالى هو الوحيد صاحب السيادة ومصدرا لجميع السلطات، وإن الشريعة الإسلامية هي الأساس التي تستمد منها كل القوانين والسلطتين التشريعية والتنفيذية. على أن الأمة هي صاحبة الحق في ممارسة كل السلطات في الدولة، ويتم اختيار رئيس السلطة التنفيذية من قبل الأمة بعد أن يتم ترشيحه من المرجعية، ومن ثم ينبثق من الأمة مجلس أهل الحل والعقد بالانتخاب المباشر. في السياق ذاته، أكد آية الله الصدر على دور المرجعية الدينية في الحياة السياسية باعتبارها حقيقة اجتماعية موضوعية تقوم على أساس الموازين الشرعية العامة. أما موقفه من الدولة فقد كان من خلال عدة محاور، من ناحية تكون الدولة ونشوئها هي ظاهرة نبوية وتصعيد للعمل النبوي التي بدأت في مرحلة معينة. أما وظيفة الدولة فهي عبارة عن تطبيق لشريعة السماء التي سادت بين الفرد والمجتمع. وفيما يخص شكل الحكومة، يرى آية الله الصدر أنه يجب على الحكومة أن تتقيد بالقوانين، وعلى الحاكم والمحكومين الالتزام بالشريعة الإسلامية.
وبناء على ما تقدم، كان موقف آية الله الصدر من الدولة ينطلق من النظرية الإسلامية، تلك النظرية ” التي ترفض الملكية أي النظام الملكي وترفض الحكومة الفردية بكل أشكالها وترفض أيضا الحكومة الارستقراطية، وتطرح شكل للحكم يحتوي على كل النقاط الإيجابية في النظام الديمقراطي ضمانا لعدم الانحراف، فالأمة هي مصدر السيادة في النظام الديمقراطي وهي محط الخلافة ومحط المسؤولية أمام الله في النظام الإسلامي، والدستور كله من صنع الإنسان في النظام الديمقراطي”.
وفي لحظات مثالية وبحسب رأي آية الله الصدر تتحكم الأكثرية في الأقلية، بينما تمثل الأجزاء الثابتة من الدستور شريعة الله تعالى وعدالته التي تضمن موضوعية الدستور وعدم تحيزه. فالشريعة الإسلامية عبرت عن العدالة بكل وضوح والتي تمثلت في وضع مبدأ الملكية العامة وملكية الدولة. لاسيما أن السلطات في الدولة الإسلامية ذات النظام الرئاسي تختلف كثيرا عن الأنظمة الرئاسية في الدول الديمقراطية والرأسمالية.
الحكومة الإسلامية المنتخبة:
لقد وضع آية الله (محمد باقر الصدر) هذه النظرية السياسية الأولى والتي سجلها في التعاليم الحزبية لحزب الدعوة وهي الأسس الإسلامية، حيث تمثل الدولة في رأيه مظهر الوحدة السياسية العليا للشعب. في الوقت نفسه أكد على قضية الحكومة الإسلامية المنتخبة، والتي هي في رأيه صاحبة الحق الشرعي في الدولة الإسلامية. بالتالي على كافة سكان الأرض طاعة الحكومة الإسلامية. لأن الوطن الإسلامي هو المكان الذي يسكنه المسلمون في جميع أقطار العالم. كما أنه يجب على الحكومات أن تستمد قوانينها وتشريعاتها من الإسلام، بمعنى أن الحكومات يجب أن تعمل وفق النظام الإسلامي، وعلى المسلمين الطاعة التامة لهذه الحكومات وعدم عصيانها. وفي حالة انحراف السلطة والحاكم عن المبادئ الإسلامية يجب على المسلمين تنبيه الحكومة وتوجيه الحاكم إلى الطريق الصحيح والشرعي دون الانقلاب عليه في حالة كان الحاكم غير متعمدا بسوء استخدام صلاحياته. عليه وبحسب رأي آية الله الصدر، أن اختيار الحكومة وباقي مؤسساتها يتوقف على وعي الأمة الإسلامية، ويجب أن يتمتع كل أبناء الأمة رجالا ونساءا بحق الاختيار أو انتخاب الحكومة.
وتأسيسا لما تقدم، كانت لآية الله الصدر رؤيته الخاصة أو إستراتيجية في العمل السياسي الجهادي، فهو كان مؤمنا بأهمية وضرورة إقامة حكومة إسلامية رشيدة، تحكم بما أنزل الله عز وجل، والتي تعكس كل جوانب الإسلام المشرقة وتبرهن على قدرة الإسلام في بناء الحياة الإنسانية وقيادة المجتمع، ولكن يجب أن تكون المرجعية الدينية الرشيدة هي القائد لهذا العمل الإسلامي. ويرى في العمل الحزبي المنظم، أنه مما لا شك فيه أن الظروف والأوضاع السياسية وخاصة في العراق تفرض انبثاق عمل سياسي وجهادي منظم يعمل على أساس متطلبات العصر وما تفرضه ضرورات الحياة والعمل الحزبي بمفهومه الإسلامي، المتمثل بإقامة الحكومة الإسلامية الرشيدة، على أن يكون الحزب أو الأحزاب تابعة للمرجعية الدينية لا كيانا قياديا مستقلا.
المصادر:
- الإسلام يقود الحياة: محمد باقر الصدر
- الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار: محمد رضا النعماني
- نظريات الحكم في الفقه الشيعي: محسن كديفر


