العراق وخور عبدالله: إرث ثقيل من الترهل الدبلوماسي -ووحدة الصف الخليجي

العراق وخور عبدالله إرث ثقيل من الترهل الدبلوماسي -ووحدة الصف الخليجي
يتناول ضعف الدبلوماسية العراقية في إدارة أزمة خور عبدالله، مقابل ارتكاز الكويت إلى مرجعيات قانونية دولية، ويؤكد أن غياب استراتيجية تفاوضية متكاملة يهدد مصالح العراق الإقليمية ومشروعاته الحيوية، داعياً إلى إعادة بناء رؤية دبلوماسية وطنية فعّالة....

حينما ننظر إلى واقع السياسة الخارجية للعراق وخاصة في الملفات المصيرية كترسيم الحدود وأزمة خور عبدالله مع الكويت نقف أمام مشهد يعكس حالة من الترهل الدبلوماسي المزمن الذي أصاب المؤسسة المسؤولة عن هذه الملفات منذ تأسيس الدولة العراقية. هذا الضعف ليس وليد اللحظة بل هو نتاج تراكمات تاريخية وسياسية جعلت من الدبلوماسية العراقية أسيرة لحسابات داخلية وتدخلات إقليمية ما أفقدها القدرة على التحرك بمرونة أو حتى حسم الملفات التي تمس السيادة لصالحها.

ويتجلى هذا الضعف بوضوح في أزمة خور عبدالله المستمرة مع الكويت والتي انفجرت مجدداً في شباط 2026 بعد إيداع العراق خرائط بحرية لدى الأمم المتحدة اعتبرتها الكويت مساساً بسيادتها على منطقتي “فشت القيد” و”فشت العيج”  . هنا يبرز السؤال الأكثر إيلاماً: لماذا تقف الدول العربية ودول الخليج دائماً صفاً واحداً مع الكويت ضد العراق رغم أن بغداد تحتفظ بعلاقات جيدة مع هذه الدول؟

الجواب يكمن في أن الموقف الخليجي الموحد لا ينبع من عداء مسبق للعراق بل من قناعة راسخة بأن الموقف القانوني الكويتي أقوى وأكثر اتساقاً مع الشرعية الدولية فالكويت تستند إلى قرارات دولية واضحة وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 833 لسنة 1993 الذي رسم الحدود بين البلدين وأكد على سيادة الكويت على أراضيها وجزرها  كما أن الاتفاقية الثنائية الموقعة عام 2012 والمصدق عليها من البرلمان العراقي آنذاك تشكل سنداً قانونياً إضافياً للموقف الكويتي حتى بعد أن أثار قرار المحكمة الاتحادية العراقية بإبطالها عام 2023 جدلاً قانونياً  . هذا الالتزام بالمرجعيات الدولية يجعل من السهل على دول الخليج بل والدول العربية كافة الاصطفاف إلى جانب الكويت لأن دعمها يعني دعم احترام المواثيق والقانون الدولي.

على النقيض تعاني الدبلوماسية العراقية من عجز واضح في تسويق روايتها فبغداد بدلاً من أن تقدم مشروعاً متكاملاً لحل الخلافات تبدو وكأنها تتعامل مع الأزمة بشكل منفعل وارتجالي. الإيداع الأخير للخرائط رغم كونه حقاً سيادياً تم دون تنسيق مسبق أو إعداد للرأي العام الإقليمي مما أتاح للكويت فرصة ذهبية لحشد التأييد العربي وهو ما حدث فوراً من السعودية ومصر والإمارات وقطر وسلطنة عمان والبحرين والأردن واليمن الذين أعلنوا جميعاً تضامنهم الكامل مع الكويت ورفضهم لأي مساس بسيادتها   . هذا الاصطفاف العربي السريع والحاسم يعكس حالة من فقدان الثقة بالسياسة العراقية التي ينظر إليها الكثيرون في المنطقة على أنها خاضعة لأجندات إقليمية لا تخدم الاستقرار الإقليمي .

يبقى العراق أمام معضلة حقيقية فاستمرار هذا الفتور في العلاقات مع محيطه العربي والخليجي خاصة في ملف حساس مثل خور عبدالله الذي يرتبط بمشروعات حيوية كـ ميناء الفاو  الكبير  وطريق التنمية  سيكلفه ثمناً باهظاً. إن معالجة هذا الضعف لا تكمن فقط في تغيير الأشخاص بل في إعادة بناء استراتيجية دبلوماسية متكاملة تستند إلى رؤية وطنية واضحة تضع المصالح العليا للعراق فوق أي اعتبارات أخرى وتستعيد الثقة مع الأشقاء عبر الانخراط في حوار جاد ينهي هذه الملفات العالقة. فغياب العراق الفاعل والمؤثر عن محيطه العربي لم يعد خياراً بل هو ثغرة تستنزف طاقته وتبعده عن دوره الطبيعي في محيطه الإقليمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *