سياسة المياه التركية بين الفيضان والجفاف: العراق وسوريا في مواجهة إستراتيجية التجويع المائي

سياسة المياه التركية بين الفيضان والجفاف العراق وسوريا في مواجهة إستراتيجية التجويع المائي
تؤكد أزمة المياه بين تركيا والعراق وسوريا ضرورة اتفاقيات ملزمة تضمن تدفقاً عادلاً ومنتظماً لدجلة والفرات، لأن التحكم بالمياه يهدد الزراعة والأمن الغذائي والاستقرار والتنمية، ويحوّل الندرة إلى أداة ضغط جيوسياسي....

تتبع تركيا منذ عقود سياسة مائية عدوانية تستخدم فيها المياه كسلاح جيوسياسي ضد جارتيها العراق وسوريا حيث تعمد إلى تخزين المياه في سدودها العملاقة مثل سد أتاتورك وإليسو ،وتمنع بشكل متعمد التدفق الطبيعي لنهرَي دجلة والفرات.

هذه السياسة تقوم على حبس المياه بالكامل حتى تمتلئ السدود إلى طاقتها الاستيعابية القصوى مما يحرم الدولتين من حقوقهما المائية العادلة طيلة العام.

والنتيجة كارثية متعددة الأوجه: أولا يؤدي تجفيف الأنهار إلى القضاء على القطاع الزراعي الذي كان عماد الاقتصاد في العراق وسوريا وتدمير الثروة السمكية والحيوانية التي تعتمد على هذه الأنهار وتحويل الأراضي الخصبة إلى صحراء قاحلة تعاني من العطش والتصحر.

ثم عندما تبلغ السدود امتلاءها الكامل تطلق تركيا كميات هائلة من المياه دفعة واحدة مسببة فيضانات مفاجئة تغرق المحاصيل والبساتين التي كافح الفلاحون لزراعتها في ظل شحة المياه وتدمر المدن والقرى وتجبر السكان على النزوح القسري.

هذه السياسة المتقلبة بين الجفاف والفيضان ليست صدفة بل إستراتيجية مدروسة تهدف إلى إضعاف الدولتين وإبقائهما في حالة هشاشة دائمة. لذلك يقع على عاتق العراق وسوريا واجب تقديم مطالبة رسمية وعادلة بحصص مائية محددة تتدفق بشكل طبيعي ومنتظم على مدار السنة، لضمان تجنب الكوارث المزدوجة للشحة والفيضانات.

وهذا يتطلب وجود رجال دولة وسياسيين وطنيين يضعون مصلحة بلدهم فوق أي اعتبار ويعملون على عقد اتفاقيات ملزمة تحدد حصة العراق العادلة من مياه دجلة والفرات بنسب ثابتة وموثقة. كما ينبغي على العراق أن يبحث عن مصالحه المتبادلة في هذه الاتفاقيات فلا مانع من الدخول في ترتيبات نفطية أو اقتصادية مع تركيا تكون مقابل الحصول على تدفق مائي مستدام طول العام دون انقطاع أو شحة مما يضمن ازدهار الزراعة والصناعة وإنعاش الاقتصاد ومنع الجفاف والتصحر وكوارث الفيضانات .

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في نقص المياه وحده، بل في تحول الندرة المائية إلى عامل دائم لإنتاج الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فكل تراجع في تدفقات دجلة والفرات ينعكس على الإنتاج الزراعي والدخل الريفي والأمن الغذائي، ويزيد الضغوط على المدن وأسواق العمل والإنفاق الحكومي. ومع تسارع التغيرات المناخية وارتفاع معدلات الجفاف في الشرق الأوسط، تصبح إدارة المياه قضية تتجاوز البعد البيئي لتغدو أحد أهم محددات الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، فإن ضمان حصة مائية عادلة للعراق وسوريا يمثل استثماراً في الأمن والتنمية الإقليمية أكثر من كونه مجرد تسوية فنية لتقاسم الموارد. تحفظ حقوق الأجيال القادمة وتعزز فرص التنمية المستدامة الشاملة.

وأخيرا يجب توثيق هذه الاتفاقيات وإيداعها لدى الأمم المتحدة لضمان احترامها دوليا وتحويل قضية المياه من صراع أحادي إلى تعاون عادل يخدم شعوب المنطقة جميعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *