يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر دعوته الأخيرة لدول مثل السعودية وقطر ومصر والأردن والإمارات وباكستان بل وإيران نفسها، للانخراط في ما يسميه “الديانة الإبراهيمية الجديدة”أن يقدم وصفة سحرية لسلام الشرق الأوسط. لكن الوقوف عند مضمون هذه الدعوة يكشف عن سذاجة سياسية خطيرة إن لم تكن متعمدة وأبعادًا استعمارية جديدة تلبس ثوب التسامح الديني لتحقيق أهداف ليست سلامًا إنسانيًا بل سلامًا أمريكيًا إسرائيليًا بامتياز.
فكيف لدول مثل السعودية وقطر ومصر والأردن التي تتبنى الإسلام هوية رسمية وشعبية أن تترك دياناتها وتنخرط في مشروع يضع اليهودية والمسيحية والإسلام في مرتبة واحدة بينما تشهد المنطقة إبادة جماعية بحق الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين على يد إسرائيل التي تحتفي بهذه الإبراهيمية؟ وأين هو السلام الذي يتحدث عنه ترامب بينما تواصل إسرائيل قتل وتهجير الفلسطينيين واللبنانيين وتستبيح القدس وتنتهك المقدسات الإسلامية والمسيحية أمام صمت أو تطبيع من بعض هذه الدول ذاتها؟
إن إعادة إنتاج الصراع في قالب ديني جديد تحت شعار “الإبراهيمية” هو محاولة لتجاوز الحل العادل للقضية الفلسطينية فبدون ذلك يظل السلام وهماً. والأكثر خطورة هو حديث ترامب عن إيران وفتح الباب لها للانضمام إلى هذا المشروع فهذا ليس حرصًا على سلام إقليمي بل ورقة ضغط لتطبيع إيران مع إسرائيل نظير تخفيف العقوبات. وباكستان بدورهاً التي تأسست على فكرة الإسلام هويتها الجامعة تجد نفسها أمام تناقض صارخ ،كيف تتبنى “ديانة إبراهيمية جديدة” بينما يُذبح المسلمون في فلسطين؟
إن تجاهل ترامب المتعمد للجروح المفتوحة في المنطقة ودعوته لدول عربية وإسلامية للتخلي عن ثوابتها والانضمام إلى مشروع يضع الاحتلال والمقاومة في مرتبة واحدة ليس إلا غطاء لتكريس الاحتلال وتفكيك أي مشروع تحرر عربي.
ان المتأمل في توقيت الترويج لهذا المشروع يدرك أنه لا ينفصل عن محاولات إعادة هندسة الوعي السياسي في الشرق الأوسط بما ينسجم مع الوقائع التي فرضتها القوة العسكرية لا مع مقتضيات العدالة التاريخية. فالمشكلة ليست في الدعوة إلى التقارب بين أتباع الأديان، وإنما في تحويل الدين إلى أداة لإعادة تعريف الصراع وتغيير أولوياته، بحيث تنتقل القضية من نقاش الاحتلال والحقوق والسيادة إلى نقاشات رمزية حول التعايش والتسامح. وبهذا المعنى تصبح “الإبراهيمية” إطارًا سياسيًا لتطبيع نتائج الصراع لا لمعالجة أسبابه، ومسارًا لإضفاء شرعية أخلاقية على واقع مختل بدلاً من العمل على تصحيحه وفق مبادئ القانون الدولي وحقوق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.
إن “الديانة الإبراهيمية الجديدة” ليست سوى حلوى سامة يقدمها ترامب للمنطقة برداء أبيض لكن جوهرها أسود كسواد مصالح أمريكا وإسرائيل على حساب دماء الشعوب وحقوقها المشروعة. وبدون اعتراف جاد بحقوق الفلسطينيين في التحرر وتقرير المصير ،وشعوب المنطقة في نيل حقوقها وسيادتها سيبقى هذا السلام وهماً وستظل الإبراهيمية مجرد أداة استعمارية جديدة.


