في كل عام، تتحول مدينة دافوس السويسرية إلى ما يشبه غرفة قيادة غير رسمية للاقتصاد العالمي. هناك تُناقش اتجاهات الطاقة، الفائدة، الاستثمار، المناخ، والتكنولوجيا، أي كل ما يصوغ مستقبل الدول، سواء حضرت أم غابت.
لكن العراق، للأسف، يختار غالبًا أن يكون حاضرًا بلا أثر، أو غائبًا بلا تفسير.
حضور شكلي أم غياب مقنّع؟
حين يُذكر العراق في مؤتمر دافوس، لا يُذكر بوصفه: دولة ذات رؤية اقتصادية واضحة أو صاحب مشروع إصلاحي قابل للتسويق أو طرفًا فاعلًا في النقاشات الكبرى بل غالبًا ما يكون الحضور بروتوكوليًا، بلا خطاب اقتصادي، وبلا ورقة موقف، وبلا أجندة معلنة. حضور لا يُسجَّل في محاضر التأثير، وتمثيل لا يغيّر شيئًا في مسار القرارات.
لماذا دافوس مهم للعراق تحديدًا؟
العراق ليس اقتصادًا هامشيًا يعتمد على النفط بنسبة 85–90٪ من الإيرادات العامة، يشكل النفط أكثر من 60٪ من الناتج المحلي، ويمتلك أحد أكبر الاحتياطيات عالميًا ومع ذلك، يغيب عن النقاشات الجوهرية التي تُطرح سنويًا في دافوس:
- متى وكيف سينتهي عصر الاعتماد المطلق على النفط؟
- كيف ستتعامل الدول الريعية مع التحول الطاقي؟
- ما مصير الاقتصادات التي لم تُنوّع مصادر دخلها؟
الصمت هنا ليس حيادًا… بل مقامرة بمستقبل بلد كامل.
النفط: مصدر القوة الذي لم يُستثمر سياسيًا
في دافوس، تتكرر أرقام واضحة: الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة تجاوزت 1.7 تريليون دولار سنويًا، والطلب على النفط مرشح للذروة بين 2030–2035. بالنسبة للعراق، أي انخفاض بمقدار 10 دولارات في سعر البرميل يعني خسارة تفوق 12 مليار دولار سنويًا. هذه الخسارة لا تُعوَّض بخطط بديلة، بل تُرحَّل إلى تقليص الإنفاق، تأجيل المشاريع، أو تحميل المواطن أعباء جديدة ورغم ذلك، لا يُطرح في دافوس أي تصور عراقي لمرحلة ما بعد النفط، وكأن الزمن الاقتصادي يمكن تأجيله بقرار إداري.
الفائدة العالمية… قرار يُتخذ هناك ويُدفَع هنا
خلال السنوات الأخيرة، ناقش قادة المال في دافوس سياسات التشديد النقدي، لترتفع أسعار الفائدة عالميًا إلى أكثر من 5٪ في الاقتصادات الكبرى.
النتيجة على العراق كانت مباشرة:
- شح الدولار
- ضغط على الدينار
- ارتفاع أسعار السلع المستوردة
ومع اعتماد السوق العراقية على الاستيراد بنسبة تفوق 70٪ من الاستهلاك، شهد المواطن ارتفاعًا في أسعار المواد الأساسية تراوح بين 15–30٪ في فترات الاضطراب.
المفارقة الصارخة: العراق لم يكن شريكًا في النقاش، لكنه كان أول من دفع الفاتورة.
الاستثمار الأجنبي: فرصة تضيع كل عام
الدول التي تحسن استثمار دافوس تجذب مليارات الدولارات.
أما العراق، فلم يتجاوز متوسط الاستثمار الأجنبي المباشر لديه 2–3 مليارات دولار سنويًا، وهو رقم متواضع قياسًا بموارده وسوقه.
السبب ليس نقص الأموال عالميًا، بل غياب مشاريع جاهزة للعرض، غياب خطاب إصلاحي مقنع، وغياب فريق تفاوض اقتصادي محترف. دافوس ليس منصة طلب مساعدات، بل سوق أفكار. والعراق يدخل السوق بلا بضاعة.
المناخ والتمويل الأخضر: الخطر القادم بصمت
أكثر من 130 دولة أعلنت التزامات للوصول إلى الحياد الكربوني، وتحولت هذه الالتزامات إلى شروط تمويل، معايير استثمار، وقيود على الاقتصادات الريعية العراق، الذي يواجه تصحرًا يهدد أكثر من 40٪ من أراضيه، تراجعًا مائيًا متوقعًا يصل إلى 50٪ وانبعاثات نفطية عالية.
لا يقدّم في دافوس خطة بيئية جادة، ما يعني مستقبلًا صعوبة الحصول على التمويل، ارتفاع كلفة القروض، تحميل المواطن كلفة بيئية واقتصادية مزدوجة.
المواطن… دائمًا الحلقة الأضعف
كل ما يُناقش في دافوس ينعكس على المواطن العراقي الدولار يعني الأسعار، النفط يعني الرواتب، والاستثمار يعني فرص العمل وحين تغيب الرؤية، تتحول القرارات العالمية إلى أزمات محلية، ثم يُقال للمواطن: «هذه ظروف دولية» والسؤال البسيط: أين كان صوت العراق حين صُنعت هذه الظروف؟
السخرية المؤلمة
العراق يذهب إلى دافوس… واقتصاده يعتمد 90٪ على النفط، وسوقه يستورد 70٪ من غذائه، وموازنته تهتز مع كل دولار نفط، ومواطنه يدفع ثمن كل قرار عالمي. ومع ذلك لا رؤية تُعرض، لا موقف يُدافع عنه، ولا أثر يُذكر، نحن لا نغيب عن دافوس لأننا فقراء، بل لأننا نُدار بلا بوصلة… وهذا أغلى أنواع الغياب.


