كيف انهارت الإمبراطورية الأمريكية على يد ترامب (التحالفات، الاقتصاد، حرب إيران، وتصدع القطب الأوحد)

كيف انهارت الإمبراطورية الأمريكية على يد ترامب (التحالفات، الاقتصاد، حرب إيران، وتصدع القطب الأوحد)
يتناول النص عوامل تراجع النفوذ الأمريكي في عهد ترامب، مع التركيز على تأثير سياسة "أمريكا أولاً" على التحالفات الدولية والاقتصاد والقوة الناعمة. ويرى أن الديون والتوترات العسكرية والانقسامات الداخلية ساهمت في تسريع الانتقال من الهيمنة الأحادية إلى نظام دولي متعدد الأقطاب...

تأسست الهيمنة الأمريكية عقب الحرب العالمية الثانية على ثلاث دعائم رئيسية: التحالفات العسكرية الدولية

والنظام الاقتصادي التعددي

والقوة الناعمة المتمثلة في جاذبية النموذج الديمقراطي والمؤسسي

غير أن التحول الجذري في فلسفة الحكم الذي أحدثه دونالد ترامب عبر شعار “أمريكا أولاً” أدى إلى تصدع هذه الأركان وتسريع تراجع نفوذ واشنطن القيادي لصالح نظام عالمي متعدد الأقطاب.

أولاً: تفكيك شبكة التحالفات الدولية

​تخلت الإدارة الأمريكية عن مفهوم الشراكة الاستراتيجية لصالح التعامل التجاري النفعي مع الحلفاء وهو ما تجلى في عدة محطات فارقة:

​حلف الناتو: في قمة بروكسل في يوليو 2018، هاجم ترامب قادة الحلف علناً وشكك في جدوى المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع المشترك مهدداً بانسحاب واشنطن إذا لم ترفع الدول الأعضاء إنفاقها العسكري إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي.

وهذا ما شهدناه في الحرب ما إيران حيث أن حلف الناتو كان جالس مع الجمهور ويتفرج

​الانسحاب من الاتفاقيات: أعلنت واشنطن انسحابها من اتفاق باريس للمناخ في يونيو 2017 ومن الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) في مايو 2018 ومنظمة الصحة العالمية في يوليو 2020 مما أضعف مصداقية التزامات أمريكا الدولية طويلة الأمد.

ثانياً: انكماش الاقتصاد العالمي وانفجار الديون الأمريكية

​أعادت السياسات الحمائية والمالية تشكيل الاقتصاد العالمي متسببة في اضطرابات هيكلية واسعة:

​الصراع مع الصين وتضرر الاقتصاد العالمي: فرضت واشنطن رسوماً جمركية على بضائع صينية تجاوزت قيمتها 350 مليار دولار ثم توسعت لاحقاً لتشمل فرض رسوم جمركية متبادلة بلغت 10% إلى 34% على شركاء آخرين.

أدى هذا الاستقطاب إلى تباطؤ معدلات النمو التجاري العالمي واضطراب سلاسل التوريد ودفع تكتلات اقتصادية إلى بناء مسارات تجارية موازية تعتمد على العملات المحلية بدلاً من نظام الدولار.

​تفاقم الدين العام الفيدرالي: ارتفع الدين العام الأمريكي خلال ولايته الأولى بنحو 7.8 تريليون دولار ليبلغ نحو 27.8 تريليون دولار بنهاية ولايته مدفوعاً بـ قانون التخفيضات الضريبية لعام 2017

واستمر مسار اتساع العجز الفيدرالي متجاوزاً حاجز 39.8 تريليون دولار مما رفع تكلفة خدمة الدين السنوية إلى مستويات قياسية أرهقت الميزانية الاتحادية وتسببت في مخاوف مالية عالمية.

ثالثاً: حرب إيران وانكشاف حدود الردع العسكري

​شكل التصعيد العسكري والسياسي مع إيران إحدى أبرز الشواهد على استنزاف أدوات الهيمنة الأمريكية وحيرة خياراتها الاستراتيجية:

​المواجهة المباشرة وتداعيات الاستنزاف: أدى الانخراط الأمريكي إلى جانب إسرائيل في مواجهات عسكرية واستهداف المنشآت النووية الإيرانية (مثل منشأة فوردو) إلى الدخول في حرب صواريخ وردود متقابلة مما فرض تكاليف دفاعية هائلة على واشنطن واستنزف مخزونات أنظمة الاعتراض والتسليح لدعم حلفائها.

​اهتزاز الثقة لدى حلفاء المنطقة: بعد تعرّض القواعد الأمريكية في المنطقة والممرات البحرية كـ مضيق هرمز للتهديد المستمر بدأت دول مجلس التعاون الخليجي تقود جهوداً دبلوماسية مكثفة للضغط باتجاه التهدئة وتجنب الانزلاق لحرب إقليمية مفتوحة مما عكس تراجع الدور الأمريكي كضامن مطلق للرقعة الأمنية بالمنطقة.

​تشتت الردع الأمريكي: أظهر التحول بين استراتيجية “الضغط الأقصى” واستخدام القوة العسكرية المباشرة تشتتاً في بلورة استراتيجية خروج واضحة مما أتاح للقوى الإقليمية والمنافسة (مثل الصين وروسيا) زيادة حضورها الدبلوماسي والأمني وتعميق التكتلات المستقلة.

رابعاً: ضرب الاستقرار المؤسسي وتفكك “القطب الأوحد

​تعتمد الإمبراطوريات على نمط استقرارها الداخلي لترسيخ نفوذها الخارجي وهو ما اهتز بفعل الاستقطاب السياسي الحاد:

​أزمة المؤسسات وأحداث 6 يناير 2021: شكلت حادثة اقتحام مبنى الكابيتول النقطة الأكثر حرجاً في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث حيث طالت الشكوك عملية الانتقال السلمي للسلطة مما أضعف القوة الناعمة والنموذج الديمقراطي الذي سوّقته واشنطن لعقود.

​انهيار هيمنة القطب الأوحد (Monopoly of Power): تسارعت وتيرة التحول من الهيمنة الأمريكية المطلقة إلى نظام متعدد الأقطاب. أفسح التراجع الأمريكي في التجمعات الدولية المجال لتكتلات مثل مجموعة بريكس (BRICS) ومنظمة شانغهاي للتعاون للتمدد صعوداً وإبرام اتفاقيات تجارية ضخمة مثل اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية (RCEP) في نوفمبر 2020 تحت قيادة صينية.

الخلاصة

​لا يرى المؤرخون والباحثون أن هذه الحقبة كانت مجرد تغيير عابر في هوية ساكن البيت الأبيض بل كانت محطة مفصلية سارعت من وتيرة تفكيك “الإمبراطورية الأحادية”.

إن التخلي عن التزامات التحالف التقليدية والانخراط في مواجهات عسكرية واقتصادية مكلفة وتراكم الديون التاريخية

أدى جميعها إلى إنهاء عصر القطب الواحد وصياغة واقع جديد لا تحتكر فيه واشنطن رسم قواعد النظام الدولي بمفردها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *