من هرمز إلى العراق لماذا يجب أن نحرر اقتصادنا من أسر النفط؟

من هرمز إلى العراق لماذا يجب أن نحرر اقتصادنا من أسر النفط؟
يتطلب تحرير الاقتصاد العراقي من الارتهان للنفط تحويل العائدات النفطية من تمويل الاستهلاك إلى الاستثمار المنتج، عبر تطوير الزراعة والصناعة والمياه واللوجستيات والصادرات غير النفطية، بما يعزز الأمن الاقتصادي ويقلل تأثير أزمات هرمز وتقلبات أسعار النفط....

في 20 آب 2026  قال النائب الثاني لرئيس مجلس الشورى الإيراني (حميد رضا حاجي بابائي) في معرض حديثه عن خطوط أنابيب النفط البديلة لمضيق هرمز (لن نسمح بإنشاء خطوط أنابيب نفطية تقلل من أهمية مضيق هرمز) وبعيداً عن الموقف السياسي الذي عبّر عنه التصريح  فإن مضمونه الاقتصادي يطرح للعراق سؤالاً بالغ الأهمية (ماذا لو بنينا اقتصاداً لا يستطيع النفط وحده أن يحدد قدرته على الصمود؟) .

إن قيمة التصريح بالنسبة للعراق لا تكمن في تأييده أو رفضه ، بل في الدرس الاستراتيجي الذي يكشفه ، فالدول لا تنظر إلى النفط باعتباره سلعة فقط ، وإنما باعتباره (قوة ونفوذاً وأداة تأثير) ولذلك فإن الاعتماد المفرط عليه يجعل الاقتصاد مكشوفاً أمام اضطراب طرق التصدير والأسعار والأزمات الإقليمية ، وقد أظهرت التجارب الحديثة هشاشة هذا النموذج بوضوح ، فالعراق ما زال يعتمد بصورة كبيرة على النفط  بينما بقي نمو القطاعات غير النفطية محدوداً ، ويؤكد صندوق النقد الدولي أن نمو الاقتصاد غير النفطي تباطأ من (13.8% في 2023 إلى نحو 2.5% في 2024) في مؤشر واضح إلى ضعف التنويع والإنتاجية.

المشكلة العراقية ليست في امتلاك النفط ، بل في أن النفط أصبح يمول الدولة أكثر مما يمول بناء اقتصاد منتج ، وعندما يصبح المورد الطبيعي الرئيسي مصدراً للرواتب والاستيرادات والنفقات الجارية وهنا تتحول (الثروة من فرصة لبناء المستقبل إلى وسيلة لتغطية الحاضر) لذلك فإن التنمية الاقتصادية المستدامة يجب أن تبدأ من تغيير وظيفة الإيرادات النفطية (من تمويل الاستهلاك إلى تمويل الاستثمار المنتج) .

وفي مقدمة هذا (الاستثمار تأتي الزراعة) لأنها ليست قطاعاً اقتصادياً عادياً ، بل تمثل الأمن الغذائي وسلة المواطن اليومية ومصدراً واسعاً لفرص العمل ، وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الزراعة في العراق لا تسهم إلا بنحو (2.8%) من الناتج المحلي  رغم أنها تشغل أكثر من (19%) من قوة العمل  وهذه المفارقة تكشف ضعف الإنتاجية وحجم الفرصة الضائعة في الريف.

العراق لا يحتاج إلى العودة إلى الزراعة التقليدية ، بل إلى بناء زراعة حديثة عالية الإنتاجية  ويمكن للحكومة  خلال (خمس سنوات) أن تستهدف رفع مساهمة الزراعة في الناتج المحلي إلى (6%) على الأقلى وزيادة الإنتاجية في محاصيل الحبوب والخضر بنسبة (40%) وتقليص فاقد ما بعد الحصاد بنسبة (50%) وإنشاء سلاسل تبريد وخزن وتسويق حديثة في المحافظات الزراعية ، كما ينبغي تحويل الدعم الزراعي من دعم عشوائي إلى دعم مرتبط بالإنتاجية واستخدام المياه والتقنيات الحديثة.

والأهم هو إدارة الماء باعتباره رأس مال وطنياً  فالأزمة المائية أصبحت تهدد الأمن الغذائي مباشرة ، إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن إنتاج القمح العراقي في (2025 قُدر بنحو 4.4 ملايين طن) بينما بلغت احتياجات الاستيراد المتوقعة لموسم (2025/2026 نحو 2.4 مليون طن) وهذا يعني أن تحقيق الاكتفاء الغذائي لا يمكن أن يعتمد على التوسع الأفقي وحده ، بل يحتاج إلى (الري الحديث ، واستصلاح الأراضي ، وتحسين البذور ، والزراعة المحمية ، واختيار المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه) وإعادة استخدام المياه المعالجة حيثما كان ذلك آمناً.

إن حماية الزراعة لا تعني إغلاق الحدود أمام الاستيراد ، وإنما تعني بناء قدرة إنتاجية تجعل المنتج العراقي قادراً على المنافسة ، ومن غير المعقول أن يستمر العراق في استيراد كميات كبيرة من الغذاء بينما يملك أراضي واسعة وقوة عمل ومياه يمكن إدارتها بكفاءة أكبر ، المطلوب هو (سياسة شراء حكومية مستقرة ، وأسعار عادلة ، وتمويل زراعي ميسر ، وتأمين للمحاصيل ، وتشجيع الشركات على إنشاء مصانع للتمور والحبوب والألبان واللحوم والزيوت والخضر المجففة) .

أما الصناعة  فيجب ألا تبقى مجرد شعار في الخطط الحكومية ، العراق بحاجة إلى سياسة صناعية تستهدف (القيمة المضافة) لا مجرد تشغيل المصانع الحكومية المتعثرة ، ويمكن خلال (عشر سنوات) إنشاء منظومة صناعية مرتبطة بالزراعة  تبدأ من (الأسمدة والمبيدات والبذور والمعدات) وتمتد إلى (التصنيع الغذائي والتعبئة والتغليف والأدوية والمنسوجات ومواد البناء والصناعات الهندسية) وهنا يمكن للنفط والغاز أن يكونا جزءاً من الحل لا أصل المشكلة  عبر تحويلهما إلى بتروكيميائيات وأسمدة ومواد صناعية بدلاً من تصدير الخام فقط.

ويجب كذلك استثمار الموارد الطبيعية وغير الطبيعية الأخرى (الغاز المصاحب ، الكبريت والفوسفات والمعادن ، الثروة السمكية والحيوانية ، الطاقة الشمسية ، الموانئ ، الموقع الجغرافي ، السياحة الدينية والأثرية ، والخدمات اللوجستية) فالعراق لا يفتقر إلى الموارد ، وإنما يفتقر إلى منظومة تحول الموارد إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل.

وهنا ينبغي توجيه نقد واضح للسياسة الاقتصادية الحالية (ليس من التنمية) أن نزيد الاستيراد ونرفع الإنفاق الجاري ثم نبحث عن موارد إضافية من النفط أو الضرائب والرسوم ، وليس من الإصلاح أن نطلب من المواطن أن يشتري سلعة مستوردة بعملة النفط  بينما يبقى المنتج المحلي عاجزاً عن المنافسة بسبب ضعف التمويل والطاقة والبنية التحتية والإجراءات البيروقراطية.

المطلوب هو صندوق وطني للتنويع الاقتصادي  (يمول من نسبة محددة من الإيرادات النفطية) ويوجه حصراً إلى مشاريع زراعية وصناعية ومائية ولوجستية قابلة للقياس ، ويمكن استهداف خلق مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة خلال عشر سنوات  ورفع حصة القطاعات غير النفطية من الناتج  وزيادة الصادرات غير النفطية سنوياً  مع إخضاع كل مشروع لمؤشرات العائد الاقتصادي وفرص العمل والقيمة المضافة.

ولتحويل هذه الرؤية إلى برنامج عملي  ينبغي إعلان أهداف سنوية ومحاسبة الجهات المسؤولة عنها  (مساحة مستصلحة ، إنتاج لكل دونم ، استهلاك ماء لكل طن ، عدد المصانع الجديدة ، حجم الصادرات غير النفطية ، وفرص العمل المستحدثة) وما لا يقاس لا يمكن إدارته  وما لا يخضع للمساءلة يتحول سريعاً إلى خطة أخرى مؤجلة.

إن العراق لا يحتاج إلى حرب مع النفط  اليوم ولا غداً إطلاقاً ، فالنفط يجب أن يكون (الوقود الذي يشغل محركات التنمية  لا المحرك الوحيد للدولة) وإذا كانت عبارة مسؤول إيراني قد كشفت كيف تنظر الدول إلى خطوط النفط بوصفها أدوات قوة  فعلى العراق أن يدرك أن القوة الحقيقية تبدأ عندما يمتلك أكثر من مصدر للدخل وأكثر من قاعدة للإنتاج وأكثر من طريق للتجارة.

الخلاصة أن الأمن الاقتصادي العراقي لا يتحقق (بزيادة إنتاج النفط وحدها ، ولا بتوسيع الاستيراد ، ولا برفع الضرائب والرسوم على المواطن) وإنما ببناء اقتصاد (ينتج غذاءه  ويصنع جزءاً كبيراً من احتياجاته  ويصدر منتجاته  ويستثمر موارده  ويوفر العمل لشبابه) .

وإذا استمر العراق في إدارة ثروته بمنطق (نبيع النفط ثم نشتري كل شيء) فإن أي أزمة في هرمز أو أسعار النفط ستبقى قادرة على تهديد الموازنة والأسواق والمعيشة ، أما إذا بدأ اليوم بتحويل جزء من الثروة النفطية إلى زراعة حديثة وصناعة منتجة وبنية مائية ولوجستية متقدمة  فسيتحول النفط من نقطة ضعف محتملة إلى أداة لبناء الاستقلال الاقتصادي.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعراق ليس أن ينخفض سعر النفط ، بل أن يبقى النفط مرتفعاً لسنوات أخرى من دون أن نبني اقتصاداً بديلاً  (فالفرصة ليست في البرميل الذي نبيعه اليوم) وإنما في الاقتصاد الذي يجب أن يبقى قائماً عندما لا نحتاج إلى بيع البرميل غداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *