التحول نحو الاستدامة المالية: أبعاد قرار إعادة هيكلة الدعم النفطي للقطاع الخاص في العراق

التحول نحو الاستدامة المالية أبعاد قرار إعادة هيكلة الدعم النفطي للقطاع الخاص في العراق
يمثل إصلاح تسعير النفط في العراق محاولة لتقليص الدعم غير الموجه وتعزيز الإيرادات العامة، عبر توجيه الموارد نحو الخزينة وتحسين كفاءة الاقتصاد، مع ضرورة مرافقة القرار بسياسات إنتاجية تحافظ على تنافسية القطاع الخاص...

يمثل قرار الحكومة العراقية إعادة هيكلة آلية تسعير النفط الخام المجهز للمصافي والقطاعات غير المنزلية خطوة مهمة في مسار إصلاح المالية العامة وتصحيح التشوهات التي نشأت تاريخياً عن نموذج الاقتصاد الريعي. فقد أقر مجلس الوزراء، ابتداءً من 1 سبتمبر/أيلول 2026، اعتماد سعر شراء النفط الخام من قبل المصافي وفق سعر شركة تسويق النفط العراقية «سومو» أو السعر المحدد في الموازنة العامة، أيهما أقل، مع تطبيق خصم قدره 30%، على أن تذهب الإيرادات المتحققة إلى الخزينة العامة. وبالتوازي، تقرر رفع الدعم عن أسعار المنتجات النفطية المقدمة إلى مختلف القطاعات، مع الإبقاء على الدعم للمنتجات الأساسية التي تُجهز للمواطنين حصراً، وفي مقدمتها البنزين وزيت الغاز والنفط الأبيض والغاز السائل.

ولا ينبغي النظر إلى القرار باعتباره مجرد تعديل محاسبي في سعر النفط، بل باعتباره محاولة لإعادة تعريف العلاقة المالية بين القطاع النفطي والموازنة العامة، وتقليص الفجوة بين السعر الاقتصادي للموارد النفطية والسعر المدعوم الذي كانت تحصل عليه بعض الأنشطة الإنتاجية.

أولاً: الأبعاد الاقتصادية والمالية للقرار

1.تعظيم الإيرادات العامة وتقليص الدعم غير الموجه

تقدر الحكومة الإيرادات الإضافية المتوقعة من إعادة هيكلة تسعير النفط بنحو 17.8 تريليون دينار عراقي سنوياً، وهو رقم ذو أهمية كبيرة في ظل هشاشة المالية العامة العراقية واعتمادها المرتفع على النفط. فقد أشار البنك الدولي إلى أن النفط شكّل في عام 2025 نحو 88% من الإيرادات الحكومية و91% من صادرات السلع و53% من الناتج المحلي الحقيقي، بما يعكس درجة الاعتماد الاستثنائية للاقتصاد العراقي على القطاع النفطي.

ومن هذه الزاوية، فإن تحويل جزء من العائد الذي كان يضيع نتيجة التسعير المدعوم إلى الخزينة العامة يمكن أن يرفع الإيرادات غير النفطية بصورة غير مباشرة، ويحسن القدرة على تمويل الإنفاق الاستثماري والخدمات العامة، ويخفف الحاجة إلى تمويل العجز من خلال السحب من الاحتياطيات أو تأجيل الالتزامات.

وتزداد أهمية هذا الإجراء بالنظر إلى أن العراق واجه خلال السنوات الأخيرة مشكلة هيكلية تتمثل في ارتفاع الإنفاق الجاري، ولا سيما الرواتب والأجور والتحويلات، مقابل محدودية الإيرادات غير النفطية. وقد حذر البنك الدولي سابقاً من أن الموازنة العراقية تتسم بارتفاع كبير في الإنفاق الجاري، وأن نقطة التعادل المالية يمكن أن تتطلب سعراً للنفط أعلى بكثير من السعر المفترض في الموازنة.

2.تقليص فرص المراجحة والفساد الاقتصادي

كان الفارق الكبير بين سعر النفط الخام المجهز للجهات المحلية والسعر الاقتصادي الفعلي يمثل حافزاً قوياً للمراجحة (Arbitrage)، أي تحقيق أرباح من الفارق بين سعر الحصول على المورد وسعره الاقتصادي أو التجاري.

فالانتقال من سعر رمزي بلغ 5,000 دينار للبرميل إلى آلية ترتبط بسعر سومو أو سعر الموازنة مع خصم 30% يمثل تغييراً جوهرياً في القيمة الاقتصادية للنفط المستخدم محلياً. وقد وصف رئيس الوزراء السابق الآلية القديمة بأنها أدت إلى هدر في الموارد من خلال نفقات الصيانة والحوافز، في حين ترى الحكومة أن الآلية الجديدة ستوجه الإيرادات بصورة أكثر مباشرة إلى الخزينة.

ومن ثم، فإن إصلاح السعر لا يهدف فقط إلى زيادة الإيرادات، بل إلى تضييق المساحة التي يمكن أن تنشأ فيها أرباح ريعية غير مرتبطة بزيادة الإنتاجية أو القيمة المضافة.

3.الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن

تكمن إحدى أهم نقاط القوة في القرار في التمييز بين الدعم الموجه للمواطن والدعم الموجه للنشاط الاقتصادي. فاستمرار دعم المنتجات النفطية الأساسية المخصصة للمواطنين يحد من الأثر التضخمي المباشر ويحافظ على القوة الشرائية للأسر، في حين يؤدي رفع الدعم عن الاستخدامات التجارية والصناعية والزراعية إلى جعل تكلفة الطاقة أكثر انعكاساً على التكلفة الحقيقية للإنتاج.

وهذه المقاربة أكثر كفاءة اقتصادياً من الدعم الشامل؛ لأن الدعم العام للوقود يمكن أن يستفيد منه المستهلك الغني والمنشأة التجارية والمصنع بنفس الطريقة التي يستفيد بها المواطن محدود الدخل، وهو ما يقلل كفاءة الإنفاق العام.

ثانياً: بين الحماية الاجتماعية والكفاءة الإنتاجية

لا يعني رفع الدعم عن القطاع الخاص بالضرورة إضعاف الإنتاج المحلي، بل يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة هيكلة الإنتاج إذا رافقته سياسات صناعية وتمويلية مناسبة.

فالمنشآت الصناعية والزراعية والخدمية ستواجه ارتفاعاً في تكلفة الطاقة، ما سيدفعها اقتصادياً إلى تقليل استهلاك الوقود، وتحديث المعدات، وتحسين كفاءة العمليات الإنتاجية، والاستثمار في تقنيات أقل استهلاكاً للطاقة. وبذلك يتحول سعر الطاقة من أداة دعم مباشر إلى إشارة سعرية تشجع على رفع الإنتاجية.

غير أن هذا الانتقال يحمل في المقابل خطراً حقيقياً يتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي مقارنة بالسلع المستوردة، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد بكثافة على الوقود. لذلك فإن نجاح القرار لا ينبغي أن يقاس بحجم الإيرادات الإضافية وحده، وإنما بقدرته على تحقيق معادلة تجمع بين زيادة إيرادات الدولة والحفاظ على القدرة التنافسية للقطاع الخاص.

ثالثاً: التحدي المالي في اقتصاد شديد الاعتماد على النفط

تأتي أهمية الإصلاح في ظرف مالي أكثر حساسية من السابق. فالبنك الدولي يقدر أن الاقتصاد العراقي ظل شديد التعرض لصدمات أسعار وإنتاج النفط؛ وفي عام 2025 انكمش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 2.4% خلال الأشهر التسعة الأولى، نتيجة تراجع الناتج النفطي بنسبة 5.7%، بينما تباطأ نمو الناتج غير النفطي أيضاً. كما أن اعتماد الموازنة والإيرادات العامة على النفط يجعل أي انخفاض في الصادرات أو الأسعار ينعكس سريعاً على السيولة الحكومية.

ومن هنا، فإن الإيرادات المقدرة بـ17.8 تريليون دينار لا تمثل مجرد وفر مالي سنوي، بل يمكن أن تشكل جزءاً من آلية أوسع لبناء هامش أمان مالي أمام تقلبات أسعار النفط والصدمات الخارجية.

رابعاً: السياسات المكملة لضمان نجاح الإصلاح

رغم أهمية القرار، فإن رفع الدعم السعري لا يكفي بمفرده. ويحتاج العراق إلى حزمة سياسات مكملة، أهمها تقديم حوافز ضريبية لاستيراد الآلات والمعدات عالية الكفاءة، وتوفير قروض ميسرة للمشروعات الصناعية والزراعية التي تستثمر في تقنيات توفير الطاقة، وربط أي دعم مستقبلي بمؤشرات واضحة للإنتاجية والتشغيل والقيمة المضافة.

كما ينبغي إنشاء آلية دورية لقياس أثر القرار على تكاليف الإنتاج والأسعار والتنافسية، بحيث لا يتحول الإصلاح المالي إلى عامل يؤدي إلى انكماش بعض القطاعات الإنتاجية.

ومن المهم كذلك الحفاظ على شفافية التسعير، خصوصاً أن القرار يعتمد سنوياً على سعر سومو أو السعر المحدد في الموازنة، أيهما أقل، مع خصم 30%. وهذا يوفر حماية للخزينة، لكنه قد يزيد من عدم اليقين أمام المصافي بشأن تكاليفها المستقبلية، وهو ما يستدعي وضع قواعد واضحة ومستقرة للتسعير والتخطيط الاستثماري. وقد أثير بالفعل نقاش داخل القطاع النفطي حول أثر الآلية الجديدة على ربحية بعض المصافي وقدرتها على تمويل التشغيل والتطوير.

خاتمة

يمثل قرار إعادة هيكلة الدعم النفطي في العراق تحولاً مهماً من الدعم السعري غير الموجه إلى الإدارة الأكثر كفاءة للموارد العامة. فالإيرادات الإضافية المقدرة بنحو 17.8 تريليون دينار سنوياً يمكن أن تعزز قدرة الدولة على تمويل الاستثمار والخدمات وتقليل هشاشتها أمام تقلبات أسعار النفط.

غير أن القيمة الحقيقية للإصلاح لن تتحدد بمجرد رفع سعر النفط المجهز للقطاع الخاص، وإنما بطريقة استخدام الموارد المتحققة. فإذا جرى توجيهها نحو الاستثمار العام، وتنويع الاقتصاد، وتحسين البنية التحتية، ودعم التحول التكنولوجي للقطاع الخاص، فإن القرار يمكن أن يصبح جزءاً من مسار أوسع نحو الاستدامة المالية وتقليص الاقتصاد الريعي.

بنابراین، فإن جوهر الإصلاح ليس رفع الدعم بحد ذاته، بل إعادة توجيه العائد النفطي من دعم الاستهلاك والإنتاج بصورة غير انتقائية إلى بناء قدرة إنتاجية ومالية أكثر استدامة للدولة العراقية، مع الإبقاء على الحماية الضرورية للمواطن ومنع انتقال كلفة الإصلاح المالي إليه بصورة تضخمية مباشرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *