كيف يتعامل العراق مع المنطق الأمريكي؟

كيف يتعامل العراق مع المنطق الأمريكي؟
تتطلب علاقة العراق بواشنطن بناء قدرة تفاوضية تقوم على تقليل الاعتماد النفطي والطاقوي والمالي، وتنويع الشركاء، وتحويل الضغوط الخارجية إلى فرص للاستثمار ونقل التكنولوجيا، بما يعزز السيادة ويمنع استبدال التبعية لطرف بتبعية لطرف آخر...

من إدارة الضغوط إلى بناء القدرة التفاوضية

لا يستطيع العراق التعامل مع المنطق الأمريكي بمنطق الرفض المطلق، كما لا يستطيع التعامل معه بمنطق الاستسلام الكامل. فواشنطن لا تنظر إلى العراق اليوم بوصفه دولة تحتاج إلى الكهرباء والاستثمار والمساعدة الأمنية فحسب، وإنما بوصفه دولة تقع في قلب منطقة تنافس استراتيجي، وتمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، وسوقاً تتجاوز 46 مليون نسمة، وموقعاً جغرافياً يربط الخليج بإيران وتركيا وبلاد الشام. لذلك فإن العراق يدخل في الحسابات الأمريكية من بوابات الطاقة والمال والأمن والتوازن الإقليمي في الوقت نفسه.

المشكلة أن هذه العلاقة ليست متكافئة من حيث أدوات القوة. فالولايات المتحدة تمتلك قدرة أكبر بكثير على التأثير في النظام المالي الدولي، والاستثمار والتكنولوجيا والسلاح والعقوبات والعلاقات المصرفية، بينما يدخل العراق هذه العلاقة باقتصاد شديد الاعتماد على النفط والدولة.

وهنا يجب أن نبدأ من الاقتصاد، لأن جانباً كبيراً مما يسمى «النفوذ الخارجي» ليس إلا انعكاساً لوجود نقاط ضعف داخلية قابلة للاستخدام من الخارج.

في عام 2025 مثّل النفط، وفق تقديرات البنك الدولي، نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي للعراق، و88% من إيرادات الحكومة، و91% من صادرات السلع. أي إن الدولة العراقية ما زالت تعتمد في تمويل الرواتب والمشاريع والخدمات على مورد واحد تقريباً، يُباع في الأسواق الدولية ويسعّر أساساً بالدولار.

هذه التركيبة تمنح أي اضطراب في سوق النفط أو النظام المالي الخارجي قدرة مباشرة على الضغط على بغداد. وقد حذّر صندوق النقد الدولي من أن سعر النفط اللازم لتحقيق التوازن في الموازنة العراقية ارتفع من نحو 54 دولاراً للبرميل في 2020 إلى قرابة 84 دولاراً في 2024 نتيجة اتساع الإنفاق، ولاسيما الرواتب والتقاعد والنفقات الجارية. كما بلغت الاحتياطيات الأجنبية نحو 100.3 مليار دولار في نهاية 2024، لكنها تبقى في النهاية مرتبطة باستمرار تدفق الإيرادات النفطية وقدرة العراق على إدارة معاملاته الخارجية بكفاءة.

إذن المشكلة ليست أن الولايات المتحدة تستطيع بقرار سياسي بسيط أن «تأخذ أموال العراق»، وإنما أن الاقتصاد العراقي نفسه مرتبط عميقاً بالدولار والمؤسسات المالية الدولية وبشبكة المصارف المراسلة وقواعد الامتثال المالي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ومنذ يناير/كانون الثاني 2025 تغيرت آلية تمويل التجارة الخارجية العراقية؛ إذ أصبحت المعاملات الدولية المشروعة تمر عبر المصارف التجارية وعلاقاتها المباشرة مع البنوك المراسلة، بدلاً من اعتماد النظام السابق على نافذة التحويلات لدى البنك المركزي. وهذا تطور مهم يقلل الاختزال القائل إن التجارة العراقية كلها تمر مباشرة عبر واشنطن، لكنه لا يلغي حقيقة أن قدرة المصارف العراقية على الوصول إلى النظام المالي العالمي أصبحت مرتبطة أكثر بسلامة الامتثال والشفافية والعلاقات المصرفية الدولية.

وهنا يظهر جوهر المسألة: استقلال القرار السياسي يبدأ من تقليل نقاط الضعف الاقتصادية، لا من رفع سقف الخطاب السياسي.

الأمر نفسه ينطبق على الطاقة. فقد ظل العراق، رغم كونه أحد كبار منتجي النفط، يعتمد على الغاز الإيراني لتشغيل جزء مهم من محطات الكهرباء. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الغاز المستورد من إيران كان مسؤولاً عن الوقود اللازم لإنتاج أكثر من 30% من الكهرباء العراقية. أما الكهرباء المستوردة مباشرة من إيران فلم تكن تتجاوز نحو 2% من إجمالي تجهيز العراق الاتحادي عام 2023، قبل أن توقف بغداد استيرادها بعد إلغاء واشنطن الإعفاء المرتبط بها في مارس/آذار 2025.

هذه الأرقام تكشف مفارقة مهمة. عندما تطالب الولايات المتحدة العراق بتقليل اعتماده على الطاقة الإيرانية، فإن المطلب قد يخدم هدفاً جيوسياسياً أمريكياً، لكنه يتقاطع في الوقت نفسه مع مصلحة عراقية موضوعية. فدولة نفطية تحرق كميات كبيرة من الغاز المصاحب ثم تستورد الغاز من دولة مجاورة لتوليد الكهرباء تعاني خللاً اقتصادياً قبل أن تكون أمام مشكلة سياسية.

لذلك ينبغي ألا يكون الرد العراقي: «نرفض هذا المطلب لأنه أمريكي»، وإنما: ننفذ استقلال الطاقة لأنه عراقي، ونطالب من يريد تسريع هذا التحول بالمساهمة في تمويله واستثماره ونقل التكنولوجيا إليه.

وهنا يستطيع العراق قلب منطق التفاوض. إذا كانت واشنطن تريد تقليل اعتماد بغداد على طهران، فيمكن للعراق أن يطلب في المقابل استثمارات وتمويلاً وتكنولوجيا لتطوير الغاز المحلي والطاقة الكهربائية وشبكات النقل.

ويوجد نموذج عملي لهذا النوع من المشاريع. ففي 2023 دعمت الولايات المتحدة سياسياً اتفاق مشروع Gas Growth Integrated Project بين العراق وشركة TotalEnergies الفرنسية، الذي أُعلن بقيمة إجمالية تصل إلى 27 مليار دولار على مدى عمر المشروع. ويشمل المشروع استثمار الغاز المصاحب الذي كان يُحرق، وتطوير حقل أرطاوي، وإنشاء محطة شمسية بقدرة 1 غيغاواط ومشروع لمعالجة مياه البحر. ووصفت وزارة الخارجية الأمريكية الاتفاق آنذاك بأنه خطوة باتجاه تحقيق الاكتفاء العراقي من الطاقة وتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية.

وتشير TotalEnergies إلى أن مشروع معالجة الغاز يستطيع، عند اكتماله، توفير الغاز لمحطات كهرباء بطاقة تقارب 1.5 غيغاواط، بما يكفي نظرياً لتزويد نحو 1.5 مليون أسرة عراقية بالكهرباء.

هذه هي اللغة التي ينبغي أن يتعامل بها العراق مع واشنطن: تحويل المطالب الجيوسياسية إلى صفقات تنموية تحقق مصلحة عراقية قابلة للقياس.

والمنطق نفسه يجب أن يطبق على الصين. فإذا مارست الولايات المتحدة ضغوطاً لمنع تحول العراق إلى ساحة نفوذ اقتصادي صيني واسع، فلا يستطيع العراق ببساطة إخراج الصين من معادلته الاقتصادية. فالأرقام تجعل ذلك غير واقعي.

وفق الجهاز المركزي للإحصاء العراقي، بلغت واردات العراق غير النفطية من الصين في 2024 نحو 10.7 مليارات دولار، أي 27% من إجمالي الواردات السلعية غير النفطية، لتكون الصين بفارق كبير أكبر مصدر للسلع إلى السوق العراقية. وجاءت الإمارات بعد ذلك بنحو 3.7 مليارات دولار، ثم إيران بنحو 3.1 مليارات دولار.

لذلك لا ينبغي أن يكون الخيار العراقي بين «أمريكا أو الصين». السياسة الاقتصادية الرشيدة تقوم على تنويع العلاقات وعدم تحويل أي شريك إلى مصدر احتكار جديد.

إذا أرادت الشركات الأمريكية حصة أكبر في السوق العراقية، فعليها أن تقدم تمويلاً أفضل، وتكنولوجيا أكثر تطوراً، وفترات تنفيذ أقصر، ونسباً أعلى من تشغيل العراقيين ونقل المعرفة. وإذا قدمت الصين أو أوروبا أو الخليج أو اليابان عروضاً أفضل في قطاعات معينة، فمن مصلحة العراق استخدامها ما دامت العقود شفافة ولا تنشئ تبعية استراتيجية خطرة.

هنا يتحول العراق من ساحة تتنافس عليها القوى إلى سوق يجعل القوى تتنافس على خدمته.

لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب إصلاح الداخل أولاً. فما دامت الدولة تعتمد على النفط في قرابة تسعة أعشار إيراداتها، ويستحوذ الإنفاق الجاري على القسم الأكبر من الموازنة، ويبقى القطاع المصرفي ضعيفاً، فإن قدرة العراق التفاوضية ستظل محدودة.

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تبلغ الأجور والتقاعد وحدهما نحو 24.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، بينما لا تتجاوز الإيرادات الحكومية غير النفطية قرابة 3.7% من الناتج. كما يحذر الصندوق من أن استمرار المسار الحالي يمكن أن يدفع الدين الحكومي إلى أكثر من 60% من الناتج.

هذه ليست أرقاماً مالية مجردة؛ إنها أرقام عن السيادة. فالدولة التي تحتاج دائماً إلى ارتفاع أسعار النفط كي تدفع نفقاتها الأساسية تكون أكثر هشاشة أمام أي قوة تستطيع التأثير في الأسواق أو النظام المالي أو التجارة والاستثمار.

وفي المقابل، يرى صندوق النقد أن إصلاح سوق العمل وبيئة الأعمال والقطاع المالي والحوكمة يمكن أن يؤدي إلى مضاعفة معدل النمو المحتمل للقطاع غير النفطي على المدى المتوسط.

من هنا ينبغي التفريق بين «الإملاء الخارجي» و«الإصلاح الضروري». عندما تطالب واشنطن بإصلاح القطاع المصرفي، ومكافحة غسل الأموال، وتحسين بيئة الاستثمار، وحصر السلاح بيد الدولة، فقد تكون لها حساباتها الخاصة. لكن السؤال العراقي الصحيح ليس: من الذي طرح هذه المطالب؟ بل: هل يحتاج العراق إليها أم لا؟

إذا كان الإصلاح يخدم الدولة العراقية، فيجب تنفيذه باعتباره قراراً عراقياً. وإذا تعارض مطلب خارجي مع مصلحة عراقية واضحة، تستطيع بغداد رفضه كلما كانت لديها بدائل وقدرات داخلية كافية لتحمل كلفة الرفض.

وهذه هي المعادلة الحقيقية للسيادة.

العراق لن يستعيد استقلال قراره بطرد الولايات المتحدة من معادلته، ولا بالانتقال من الاعتماد على واشنطن إلى الاعتماد على طهران أو بكين أو موسكو. السيادة لا تعني تغيير الطرف الذي نعتمد عليه؛ بل تقليل الحاجة إلى أي طرف منفرد.

الدولة التي تنتج غازها وكهرباءها، وتنوع إيراداتها وصادراتها، وتمتلك قطاعاً مصرفياً مرتبطاً بعشرات المراكز المالية، وتجذب الاستثمارات من أمريكا وأوروبا والصين والخليج وآسيا، وتسيطر على حدودها وسلاحها، تكون قدرتها على قول «لا» أكبر من دولة تعتمد على الشعارات.

لذلك فإن المعركة الحقيقية بالنسبة إلى العراق ليست «كيف نطرد النفوذ الأمريكي؟»، وإنما كيف نبني دولة تصبح أدوات الضغط الأمريكية والإيرانية والصينية وغيرها أقل فعالية عليها؟

عندها فقط تتحول العلاقة مع واشنطن من علاقة ضغط واستجابة إلى علاقة تفاوض ومصالح متبادلة، وتتحول السيادة من شعار سياسي إلى قدرة اقتصادية ومالية وطاقوية وأمنية قابلة للقياس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *