يبدو أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قرر هذه المرة أن يترك قاعة الدبلوماسية قليلًا، ويتجه إلى مقعد الناقد السينمائي، وهو يعلّق على الفيلم الأمريكي المتكرر بعنوان العقيقه على العقوبات الأمريكية الجديدة، لم يتعامل معها باعتبارها حدثًا استثنائيًا أو مفاجأة استراتيجية، بل وضعها في سياق فيلم قديم شاهدت إيران أجزاءه السابقة مرات عديدة. ففي الحادي والعشرين من آب/أغسطس 2026، لخّص المشهد بطريقته قائلًا إن الولايات المتحدة تحدثت قبل أربعة عشر عامًا عن أشد العقوبات في التاريخ، ثم عن «الضغط الأقصى» قبل ثمانية أعوام، وعن «الاستسلام غير المشروط» قبل خمسة أشهر، وها هي اليوم تتحدث عن أقسى عملية اقتصادية على الإطلاق. وختم فكرته بعبارة سينمائية واضحة:«لقد شاهدنا هذا الفيلم من قبل»
العقوبات الأمريكية الجديدة وانتقال التهديد إلى التنفيذ
وبعد أيام فقط، انتقل الإعلان الأمريكي من التهديد إلى التنفيذ. ففي 24 آب/أغسطس أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب عملية Economic Outcast، ووصفتها بأنها حملة لعزل إيران اقتصاديًا وقطع ما تبقى من روابطها المالية والتجارية، مع توسيع مخاطر العقوبات الثانوية لتشمل خمسة مجالات رئيسية هي الأصول الرقمية، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والشحن البحري. كما أُعلنت عقوبات على عشرات الأفراد والكيانات والسفن المرتبطة بإيران.
وهنا تكمن براعة عراقجي في صياغة المشهد؛ فهو لا يرد على العقوبات بعقوبة مضادة في الخطاب، ولا يدخل مباشرة في لعبة الأرقام والتهديدات، وإنما يضع ما يحدث أمام المتلقي كأنه مشهد مكرر من فيلم يعرف نهايته مسبقًا.
الفكرة ببساطة:
الفيلم نفسه، السيناريو نفسه، لكن الممثلين يتغيرون.
سيناريو العقوبات الأمريكية على إيران
من هذه الزاوية، تبدو العقوبات الأمريكية على إيران أشبه بسلسلة سينمائية طويلة، تتبدل فيها الإدارات والشخصيات والشعارات، بينما تبقى الحبكة الأساسية واحدة: الضغط الاقتصادي، وخفض عائدات النفط، وعزل المصارف، وتضييق حركة التجارة، ثم الرهان على أن تتحول الكلفة الاقتصادية إلى تنازل سياسي.
وهذا الفيلم ليس قصيرًا. ففي مرحلة العقوبات الدولية والأمريكية السابقة للاتفاق النووي، ذكرت وزارة الخزانة الأمريكية عام 2015 أن العقوبات منذ 2012 كبّدت إيران أكثر من 160 مليار دولار من عائدات النفط، وخفضت صادراتها النفطية بنحو 60 في المئة، فيما فقد الريال الإيراني أكثر من نصف قيمته وبلغ التضخم مستويات قاربت 40 في المئة في إحدى المراحل. أي إن العقوبات لم تكن، من الناحية الاقتصادية، وهمًا أو دعاية؛ لقد أحدثت ضررًا حقيقيًا وثقيلًا.
لكن هذه النقطة نفسها تساعد على فهم رسالة عراقجي. فالحديث الإيراني لا يقوم بالضرورة على إنكار الأضرار، وإنما على التمييز بين إلحاق الألم الاقتصادي وتحقيق الاستسلام السياسي.
إيران دخلت بعد تلك الضغوط في مفاوضات انتهت إلى الاتفاق النووي عام 2015، لكنها لم تقدم النموذج الذي تتحدث عنه واشنطن اليوم بوصفه خضوعًا كاملًا أو تنازلًا غير مشروط.
ثم جاءت نسخة أخرى من الفيلم.
الضغط الأقصى وعودة العقوبات عام 2018
في الثامن من أيار/مايو 2018، انسحبت إدارة ترامب الأولى من الاتفاق النووي، وفي الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه أعادت واشنطن فرض العقوبات التي كانت قد رُفعت بموجب الاتفاق. ووصفت وزارة الخزانة الأمريكية آنذاك الإجراءات بأنها من أقسى العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، وبدأت مرحلة أصبحت معروفة باسم سياسة الضغط الأقصى.
وكان تأثيرها الاقتصادي شديدًا فعلًا. وتقدم أرقام صادرات النفط مثالًا واضحًا. فوفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، هبطت صادرات إيران من النفط الخام والمكثفات، بحسب أحد التقديرات، من نحو 2.03 مليون برميل يوميًا عام 2018 إلى نحو 675 ألف برميل يوميًا في 2019، ثم إلى قرابة 425 ألف برميل يوميًا في 2020. أي إن العقوبات نجحت خلال فترة قصيرة في حرمان الاقتصاد الإيراني من جزء كبير من أهم مصادر عملته الصعبة.
لو توقف الفيلم هنا، لربما بدت النهاية محسومة.
لكن المشهد التالي هو الذي يستحضره عراقجي. ترامب أنهى ولايته الأولى في كانون الثاني/يناير 2021، من دون أن تكون إيران قد وافقت على الاتفاق الجديد والأوسع الذي كانت إدارته تطالب به. ولم يتحول الانكماش الاقتصادي ولا انخفاض صادرات النفط إلى الاستسلام السياسي الذي افترض بعض أنصار «الضغط الأقصى» أنه سيكون النتيجة النهائية.
إعادة بناء قنوات بيع النفط
بل حدث أمر أكثر إثارة للاهتمام. بدأت إيران خلال السنوات التالية في إعادة بناء قنوات بيع النفط والالتفاف على القيود المالية والبحرية، مستخدمة شبكة من الوسطاء والسفن والشركات وأساليب نقل وتسجيل معقدة. وارتفعت صادرات الخام والمكثفات، وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، من نحو 425 ألف برميل يوميًا في 2020 إلى نحو 825 ألفًا في 2021، ثم 1.12 مليون في 2022، وصولًا إلى نحو 1.59 مليون برميل يوميًا في 2023 وفق أحد مصادر التقدير.
وهنا يصبح الفيلم أكثر تعقيدًا مما يوحي به ملصقه الدعائي.
فالعقوبات تستطيع إغلاق قناة، لكن الطرف المستهدف يبحث عن قناة أخرى. ويمكنها رفع كلفة التجارة، لكنها لا تلغيها دائمًا. ويمكنها منع شركة كبيرة من شراء النفط الإيراني، فتظهر شركة أصغر أو وسيط أو ناقلة تغير مسارها أو طريقة تسجيل الشحنة. وهذا لا يعني أن العقوبات عديمة الجدوى؛ بل يعني أن فعاليتها تتراجع كلما تعلم الطرف المستهدف طرق التكيف معها.
الصين والنفط الإيراني
والصين مثال واضح في هذا السياق. فقد أصبحت خلال السنوات الأخيرة المشتري الأكبر للنفط الإيراني. وتشير بيانات تتبع السفن التي نقلتها رويترز إلى أن مشتريات الصين من النفط الإيراني بلغ متوسطها نحو 1.4 مليون برميل يوميًا خلال 2025، ووصلت إلى نحو 1.58 مليون برميل يوميًا في شباط/فبراير 2026. وقد لجأت تجارة النفط الإيراني إلى شبكات معقدة من المصافي المستقلة والوسطاء، مع إعادة توصيف بعض الشحنات وتسوية أجزاء من التجارة بعملات غير الدولار.
وهذه الأرقام تمنح استعارة عراقجي السينمائية شيئًا من مادتها الواقعية. فواشنطن تفرض العقوبات، وطهران تتعلم طرق تجاوزها، ثم ترد واشنطن بعقوبات على طرق التجاوز نفسها، فتبحث إيران عن طرق أخرى. وهكذا يصبح الفيلم سلسلة من المطاردة بين العقوبة والتكيف معها.
الكلفة الاقتصادية للعقوبات على إيران
لكن الصورة لا ينبغي أن تُقرأ من جانب واحد.
فمن الخطأ القول إن إيران خرجت من كل هذه الجولات بلا خسائر. أحدثت العقوبات تراجعًا في الاستثمار، وضغطًا على العملة، ورفعت تكاليف التجارة والتحويلات، وأضعفت القدرة الشرائية للمواطن، كما جعلت الاقتصاد أكثر اعتمادًا على قنوات غير شفافة وأكثر كلفة. ولذلك فإن المواطن الإيراني العادي لا يشاهد هذه «السلسلة السينمائية» مجانًا؛ بل يدفع جزءًا من ثمن تذاكرها من دخله ومستوى معيشته.
وهنا يظهر الفرق بين نجاح العقوبات اقتصاديًا ونجاحها استراتيجيًا.
قد تنجح العقوبات في تخفيض صادرات النفط من مليوني برميل إلى مئات الآلاف. وقد تنجح في إضعاف العملة ورفع التضخم وتعطيل الاستثمار. لكنها لا تنجح بالضرورة في تحويل كل ذلك إلى القرار السياسي الذي يريده الطرف الذي فرضها.
وهذا هو جوهر حجة عراقجي.
اختبار جديد للعقوبات في 2026
بل إن المشهد الحالي يقدم اختبارًا جديدًا لهذه الفكرة. فمنذ تجدد القيود البحرية الأمريكية في تموز/يوليو 2026، هبطت تدفقات النفط الإيراني إلى الصين بصورة حادة؛ من نحو 823 ألف برميل يوميًا في تموز إلى قرابة 534 ألف برميل يوميًا في آب/أغسطس وفق بيانات أولية لشركة Kpler. أي إن المرحلة الحالية ربما تكون أكثر إيلامًا اقتصاديًا من بعض المراحل السابقة. ومع ذلك، فإن السؤال السياسي يبقى قائمًا: هل سينتج هذا الانخفاض تغييرًا في موقف طهران، أم سيدفعها مجددًا إلى البحث عن وسائل بديلة؟
ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن الفيلم لا يتغير حتى عندما يتغير الممثل الرئيسي في البيت الأبيض.
الإدارات الأمريكية تتغير وأدوات العقوبات تبقى
إدارة أوباما استخدمت العقوبات الواسعة وأوصلت إيران في النهاية إلى طاولة المفاوضات. إدارة ترامب الأولى انسحبت من الاتفاق واستخدمت «الضغط الأقصى». جاءت إدارة بايدن وبقي الهيكل الأساسي للعقوبات قائمًا. ثم عاد ترامب، وبدأت منذ شباط/فبراير 2025 حملة جديدة؛ وتقول وزارة الخزانة الأمريكية إنها فرضت منذ ذلك التاريخ عقوبات على أكثر من ألف شخص وسفينة وطائرة مرتبطة بإيران قبل أن تنتقل في 2026 إلى حملات أشد تحت عناوين جديدة.
تتغير الأسماء إذن، لكن أدوات الفيلم تبقى مألوفة.
يأتي مسؤول أمريكي ويعلن أن الخناق هذه المرة سيكون مختلفًا. ثم تظهر كلمات مثل «الأشد»، و«الأكبر»، و«الأقصى»، و«التاريخي». وبعد سنوات، تعود اللغة نفسها في حملة جديدة.
وهذا بالضبط ما يجعل عراقجي يبدو وكأنه ناقد سينمائي أكثر منه مجرد وزير خارجية؛ فهو لا يكتفي بمشاهدة المشهد الحالي، بل يفتح أرشيف الأفلام القديمة أمام الجمهور، ويقول له: انتبهوا، لقد شاهدنا هذا من قبل.
السؤال السياسي وراء العقوبات الأمريكية
إنها طريقة ذكية في قلب السؤال. بدل أن يكون السؤال فقط: هل ستؤلم العقوبات الأمريكية إيران هذه المرة؟، وهو سؤال يمكن الإجابة عنه غالبًا بنعم، يصبح السؤال الأصعب: هل ستنتج العقوبات النتيجة السياسية التي تريدها واشنطن؟
والفرق بين السؤالين كبير.
قد تستطيع الدولة الأقوى اقتصاديًا أن تجعل خصمها أفقر، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تجعله أكثر استعدادًا للاستسلام. وقد تستطيع إغلاق أبواب كثيرة أمامه، لكنها قد تدفعه في الوقت نفسه إلى تطوير شبكات التفاف، وزيادة علاقاته مع القوى المنافسة للولايات المتحدة، وتقليل اعتماده على النظام المالي الذي تسيطر عليه واشنطن.
«شاهدنا هذا الفيلم من قبل»
ولهذا فإن عبارة «شاهدنا هذا الفيلم من قبل» تحمل أكثر من معنى. إنها ليست مجرد سخرية من السياسة الأمريكية، بل محاولة لإعادة تعريف المشهد كله. واشنطن تقدم العقوبات الجديدة باعتبارها عملية تاريخية قد تقطع كل شريان اقتصادي لإيران، بينما تقدمها طهران باعتبارها حلقة جديدة من مسلسل مستمر منذ عقود.
والسينما هنا ليست مجرد استعارة جميلة؛ إنها وسيلة سياسية ذكية. فالمشاهد الذي يعرف أجزاء الفيلم السابقة لا يتعامل مع الإعلان الدعائي الجديد بالدهشة نفسها التي يتعامل بها من يشاهده للمرة الأولى.
لكن الناقد الجيد، كما يقول عراقجي ضمنيًا، يجب ألا ينكر أن الفيلم قادر على إيلام أبطاله. فالعقوبات أضرت بإيران وستضر بها، وبيانات النفط والعملات والتجارة تؤكد ذلك. إنما الحكم النهائي لا يكون على حجم الدمار في أحد المشاهد، بل على النهاية التي أراد المخرج الوصول إليها.
هل يحتاج كاتب السيناريو إلى مراجعة القصة؟
وفي النهاية يصبح السؤال الذي يطرحه عراقجي أكثر إحراجًا من مجرد النقاش حول قوة العقوبات: إذا كانت واشنطن قد استخدمت السلاح الاقتصادي مرارًا، وإذا كانت إيران دفعت في كل مرة أثمانًا باهظة ولكنها لم تقدم «الاستسلام غير المشروط»، فهل يحتاج الجزء الجديد إلى عقوبات أشد فقط، أم يحتاج كاتب السيناريو نفسه إلى مراجعة القصة؟
ربما يكون عباس عراقجي قد اختصر المشهد كله بجملة سينمائية واحدة: الفيلم قديم، والجزء الجديد ليس جديدًا إلا في أسماء الممثلين وشدة المؤثرات.
فالناقد الجيد لا يحكم على الفيلم من ملصقه الدعائي، بل من أجزائه السابقة ونهاياتها.
وفي حالة الفيلم الأمريكي الإيراني، يبدو أن الجمهور الإيراني، على الأقل وفق رواية عراقجي، حفظ القصة عن ظهر قلب.


