الاحتياطي ينزف والدينار يدفع الثمن من يبدّد خط الدفاع الأخير عن أموال العراقيين حين ينزف الاحتياطي ويدفع المواطن الثمن

الاحتياطي الأجنبي والدينار العراقي حين يدفع المواطن الثمن
قراءة في تراجع احتياطيات البنك المركزي العراقي، وأثره على الدينار، وسوق الصرف، والتضخم، والقوة الشرائية للمواطن...

الاحتياطي الأجنبي وخط الدفاع الأخير عن الدينار

لم تعد قضية احتياطيات البنك المركزي العراقي شأناً فنياً يخص خبراء السياسة النقدية والمصارف.

كما لم يعد من الممكن التعامل معها باعتبارها مجرد أرقام تتغير في نشرات البنك المركزي من أسبوع إلى آخر.

فـالاحتياطي الأجنبي هو في جوهره أحد أهم خطوط الدفاع عن قيمة الدينار العراقي، وأي تراجع مستمر فيه يفرض على الدولة أن تعيد النظر في سياساتها المالية والنقدية، وفي قدرتها على مواجهة الصدمات النفطية، وفي مستقبل القوة الشرائية للمواطن.

المشكلة ليست في أن الاحتياطي ينخفض فحسب، فالاحتياطي وجد أساساً لمواجهة الأزمات والصدمات.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول استخدامه من أداة مؤقتة لامتصاص الصدمة إلى وسيلة مستمرة لمعالجة اختلالات مالية واقتصادية لم تُعالج من جذورها.

وتكشف البيانات المعروضة في لوحة مؤشرات الاحتياطي الأجنبي، استناداً إلى بيانات البنك المركزي العراقي الصادرة في 5 آب 2026، عن تراجع الاحتياطي الرسمي من ذروة بلغت نحو 144.6 تريليون دينار في تموز 2024 إلى نحو 101.8 تريليون دينار في الأسبوع الثالث من تموز 2026.

وهذا يعني انخفاضاً يقارب 42.8 تريليون دينار، وبنسبة تقارب 29.6% من الذروة. كما يظهر أن الجزء الأكبر من التراجع جاء خلال عام 2026، بما يعكس اتجاهاً يستحق الدراسة والمساءلة، وليس مجرد حركة عابرة في الحسابات. لوحة بيانات احتياطيات البنك المركزي العراقي.

لكن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى شيء من الدقة.

فالاحتياطي ليس كتلة واحدة من الدولارات الجاهزة للإنفاق، وإنما يتكون من أدوات وأصول مختلفة، ولكل منها درجة مختلفة من السيولة والقدرة على استخدامها في تمويل التجارة أو التدخل في سوق الصرف.

ولذلك فإن انخفاض المكونات الأجنبية السائلة أكثر أهمية من النظر إلى الرقم الإجمالي وحده.

وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط إثارة للقلق.

فالبيانات تشير إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية من مستويات مرتفعة إلى مستويات أدنى بكثير، في الوقت الذي ارتفعت فيه قيمة الذهب وحقوق السحب الخاصة.

وقد يبدو ارتفاع الذهب في ظاهره عاملاً إيجابياً، وهو بالفعل أصل مهم من أصول الاحتياطي، لكنه لا يؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها الأصول الأجنبية السائلة عندما يحتاج البنك المركزي إلى التدخل في سوق الصرف أو تمويل التجارة الخارجية بصورة مباشرة.

وبالتالي، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح على السياسة النقدية ليس فقط: كم يبلغ الاحتياطي؟ وإنما: كم يبلغ الجزء السائل منه؟ وكم يمكن أن يستمر البنك المركزي في استخدامه إذا استمرت الإيرادات النفطية بالانخفاض وبقي الطلب على الدولار مرتفعاً؟

من انخفاض الاحتياطي الأجنبي إلى قصة الإخفاق

هنا تبدأ قصة الإخفاق.

العراق ما زال اقتصاداً يعتمد بدرجة كبيرة على النفط.

وعندما تنخفض صادرات النفط أو تتعرض الإيرادات النفطية إلى صدمة، لا تتضرر وزارة المالية وحدها، وإنما يتأثر معها مصدر رئيس للعملة الأجنبية التي تدخل الاقتصاد.

وفي المقابل، تستمر الدولة في دفع الرواتب والتقاعد والنفقات التشغيلية، ويستمر القطاع الخاص في الحاجة إلى الدولار لتمويل الاستيرادات، فينشأ ضغط مزدوج على المالية العامة وعلى الاحتياطيات الأجنبية.

وبدلاً من أن يكون انخفاض الإيرادات النفطية مناسبة لإعادة ترتيب الإنفاق وبناء مصادر دخل بديلة، يتحول في كثير من الأحيان إلى أزمة سيولة تبحث الدولة عن وسائل لتجاوزها مؤقتاً.

وهنا يقع الخلل الأساسي.

فالإنفاق الحكومي المرتفع يولد طلباً داخلياً، وجزء كبير من هذا الطلب يتجه في اقتصاد غير منتج إلى السلع المستوردة.

والسلع المستوردة تحتاج إلى الدولار، والدولار يأتي بصورة أساسية من الإيرادات النفطية.

وإذا تراجعت التدفقات النفطية، فإن البنك المركزي يصبح أمام مهمة أصعب في تلبية الطلب على العملة الأجنبية.

فتنشأ دائرة مغلقة: انخفاض الإيرادات النفطية يؤدي إلى ضعف تدفقات الدولار، بينما يبقى الإنفاق مرتفعاً.

ونتيجة لذلك، يستمر الطلب على الدولار، ويتدخل البنك المركزي لتوفير العملة الأجنبية، وينخفض الاحتياطي، ومع انخفاض الاحتياطي يضيق هامش الأمان النقدي.

وهنا لا تكون المشكلة في البنك المركزي وحده.

الحكومة تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عندما لا تعالج الاختلال المالي من جذوره.

كما يتحمل البنك المركزي مسؤوليته عندما لا يوضح للرأي العام بصورة كافية حدود التدخل النقدي، وحجم الأصول السائلة، وسيناريوهات الاستدامة، ومخاطر استمرار الاتجاه الحالي.

العلاقة بين الحكومة والبنك المركزي

من أخطر المؤشرات التي تستحق التوقف ارتفاع صافي مطلوبات البنك المركزي على الحكومة المركزية، وفق البيانات المعروضة في اللوحة، من نحو 29.6 تريليون دينار إلى نحو 64.7 تريليون دينار.

ولا يجوز تفسير هذا الرقم بصورة آلية على أنه تمويل مباشر للحكومة، لأن هناك فروقاً قانونية ومحاسبية بين التمويل المباشر وبين حيازة الأوراق الحكومية أو عمليات السوق المفتوحة.

لكن الارتفاع الكبير في العلاقة المالية بين الحكومة والبنك المركزي يظل مؤشراً يستوجب التحليل، لأنه يكشف مدى تداخل السياسة المالية مع السياسة النقدية، ومدى الضغط الذي يمكن أن تتعرض له استقلالية البنك المركزي عندما تصبح المالية العامة بحاجة متزايدة إلى السيولة.

المشكلة الحقيقية هي أن الدولة قد تعالج أزمة مالية بأداة نقدية، ثم تضطر لاحقاً إلى معالجة آثار هذه الأداة من الاحتياطي.

وهكذا تنتقل الأزمة من الموازنة إلى البنك المركزي، ومن البنك المركزي إلى سوق الصرف، ومن سوق الصرف إلى المواطن.

كيف يدفع المواطن ثمن تراجع الاحتياطي الأجنبي؟

هنا يظهر الأثر الحقيقي.

المواطن لا يعرف حجم محفظة البنك المركزي من السندات، ولا يهتم عادة بمستوى الاستثمارات الأجنبية.

لكنه يعرف سعر كيس الرز، وسعر الغذاء، وكلفة النقل، والإيجار، والدواء، والكهرباء، والسلع المستوردة.

إذا ارتفعت تكلفة الحصول على الدولار أو اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، فإن المستورد سيدفع تكلفة أعلى، والتاجر سيحسب مخاطر أكبر، والسلعة ستصل إلى المواطن بسعر أعلى.

وهكذا تتحول مشكلة الاحتياطي إلى تضخم، وتتحول مشكلة التضخم إلى انخفاض في القوة الشرائية، ويتحول انخفاض القوة الشرائية إلى تراجع في مستوى المعيشة.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: قد تحافظ الدولة على الراتب الاسمي للموظف، لكنها لا تستطيع بالضرورة الحفاظ على قيمته الحقيقية.

فالموظف الذي يتقاضى مليون دينار لا يهتم فقط بأن يبقى الرقم مليوناً، وإنما بما يستطيع هذا المليون أن يشتريه.

وإذا ارتفعت الأسعار بصورة أسرع من نمو الدخل، فإن الراتب يبقى ثابتاً على الورق، لكنه ينخفض في الواقع.

وهذا هو أخطر أثر يمكن أن ينتج عن اختلال السياسة المالية والنقدية: تآكل الدخل الحقيقي دون الحاجة إلى خفض الراتب الاسمي.

الثقة بالدينار لا يصنعها الاحتياطي وحده

تزداد المشكلة خطورة عندما تبدأ توقعات المواطنين والتجار بالتغير.

فإذا شعر الناس بأن الدينار معرض لفقدان قوته الشرائية، يبدأون بالبحث عن وسائل لحماية مدخراتهم، فيتجه جزء منهم إلى الدولار أو الذهب أو العقار أو السلع.

وهذا السلوك ليس مجرد نتيجة للأزمة، بل يمكن أن يصبح عاملاً يزيد الطلب على الأصول البديلة ويضغط على العملة المحلية.

ولهذا فإن استقرار سعر الصرف لا يتعلق بالاحتياطي فقط، وإنما يتعلق أيضاً بالثقة.

الدينار القوي ليس الدينار الذي يحمل البنك المركزي رقماً كبيراً من الاحتياطيات فقط.

بل هو الدينار الذي يثق المواطن بأن قيمته ستظل مستقرة، وأن الاقتصاد قادر على إنتاج السلع والخدمات التي يحتاجها.

ومن هنا، فإن الدفاع عن الدينار من خلال بيع الدولار يمكن أن يكون ضرورياً في ظروف معينة، لكنه لا يمكن أن يكون استراتيجية اقتصادية دائمة.

فإذا كان الاقتصاد يستورد معظم احتياجاته، وإذا كان الإنتاج المحلي ضعيفاً، فإن البنك المركزي سيظل مطالباً بتوفير الدولار بصورة مستمرة.

وكلما زادت فاتورة الاستيراد زاد الطلب على العملة الأجنبية، وكلما زاد الطلب أصبح الاحتياطي أكثر تعرضاً للاستنزاف.

تقليل الحاجة إلى الدولار بدل استنزاف الاحتياطي

الحل الحقيقي إذن ليس فقط في توفير الدولار، بل في تقليل الحاجة إلى الدولار.

وهذا لا يحدث إلا عندما ينتقل العراق من اقتصاد يستهلك ما يستورده إلى اقتصاد ينتج جزءاً أكبر مما يستهلكه.

كل مصنع عراقي ينتج سلعة كانت تستورد من الخارج يعني طلباً أقل على الدولار.

وكل محصول زراعي يحل محل الاستيراد يعني خروجاً أقل للعملة الأجنبية.

وكل خدمة قابلة للتصدير تعني تدفقاً جديداً للعملة الأجنبية.

ولهذا فإن السياسة النقدية لا يمكن أن تنجح وحدها في حماية الدينار، إذا لم تساندها سياسة إنتاجية حقيقية.

الاحتياطي الأجنبي وهامش الأمان النقدي

الأخطر من انخفاض الاحتياطي نفسه هو استمرار الاتجاه دون إجراءات تصحيحية كافية.

فبحسب البيانات المعروضة، انخفضت نسبة تغطية الأصول الأجنبية للقاعدة النقدية من مستويات قاربت 94% في بداية 2024 إلى نحو 82.2% في حزيران 2026.

هذه النسبة لا تعني أن الدينار سيفقد قيمته غداً، ولا تسمح وحدها بالتنبؤ بانهيار العملة.

لكنها تعني أن هامش الأمان النقدي أصبح أضيق، وأن قدرة السياسة النقدية على امتصاص صدمة كبيرة أصبحت أكثر ارتباطاً بقدرة الدولة على الحفاظ على التدفقات النفطية والدولارية.

وهنا يجب أن تتغير طريقة إدارة الدولة للملف.

لم يعد كافياً أن تعلن الحكومة أنها قادرة على دفع الرواتب، ولم يعد كافياً أن يقول البنك المركزي إن الاحتياطيات ما زالت تغطي الاستيرادات لعدة أشهر.

المطلوب هو سؤال أكثر صعوبة: هل الاتجاه الحالي مستدام؟

فإذا كانت الدولة تدفع الرواتب اليوم من دون معالجة الاختلال المالي، وإذا كان البنك المركزي يدافع عن السوق من دون تقليل أسباب الطلب على الدولار، وإذا كان الاقتصاد لا يزال يعتمد على النفط، فإن الاستقرار الحالي قد يكون مكلفاً بصورة متزايدة.

معنى الإخفاق في إدارة الاحتياطي والدينار

هذا هو معنى الإخفاق.

الإخفاق ليس أن الاحتياطي انخفض، لأن الصدمات تحدث في كل الاقتصادات.

الإخفاق هو أن الصدمة تتحول إلى استنزاف طويل الأمد من دون بناء قدرة إنتاجية ومالية تمنع تكرارها.

والإخفاق ليس أن البنك المركزي يتدخل في سوق الصرف.

الإخفاق هو أن يصبح التدخل المستمر بديلاً عن معالجة الأسباب التي تولد الطلب على الدولار.

والإخفاق ليس أن الحكومة تواجه عجزاً.

الإخفاق هو أن يبقى العجز يتكرر، بينما تظل النفقات التشغيلية مرتفعة ومصادر الإيرادات البديلة ضعيفة.

أما الإخفاق الأكبر، فهو أن يدفع المواطن الثمن مرتين: مرة من خلال التضخم وارتفاع الأسعار، ومرة من خلال تراجع القيمة الحقيقية لدخله ومدخراته.

حماية الدينار تبدأ من الاقتصاد لا من شاشة الصرف

إن حماية الدينار العراقي لا تبدأ من شاشة أسعار الصرف، وإنما تبدأ من الموازنة العامة، ومن حجم الإنفاق، ومن إنتاج النفط وتصديره، ومن الصناعة والزراعة، ومن الإيرادات غير النفطية، ومن إدارة الدين، ومن استقلال السياسة النقدية، ومن القدرة على بناء اقتصاد يستطيع أن يولد الدولار ولا يكتفي باستهلاكه.

فالاحتياطي الأجنبي هو خط الدفاع الأخير، وليس مصدراً دائماً لتعويض أخطاء السياسة الاقتصادية.

وإذا استمر استنزاف هذا الخط من دون إصلاح مالي وإنتاجي، فإن الدولة قد تجد نفسها أمام مفارقة خطيرة: تستطيع أن تحافظ على سعر الصرف لفترة، لكنها تفعل ذلك بتكلفة أكبر على قدرتها المستقبلية.

وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سينهار الدينار؟

السؤال الأكثر علمية وخطورة هو: كم ستكلف حماية الدينار إذا استمرت الأسباب التي تضغط عليه؟ ومن سيدفع هذه الكلفة؟

والجواب واضح: إذا لم تتغير السياسات، فلن يدفعها الاحتياطي وحده.

سيدفعها الاقتصاد من فرص الاستثمار والنمو، وسيدفعها القطاع الخاص من ارتفاع كلفة الأعمال، وسيدفعها المواطن من قوته الشرائية، وسيدفعها صاحب الدخل الثابت من راتبه الحقيقي، وسيدفعها المدخر من قيمة مدخراته.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع سعر الدولار وحده، وإنما مع الأسباب التي تجعل الدولة مضطرة إلى إنفاق احتياطياتها للدفاع عن قيمة عملتها.

إنقاذ الدينار لا يكون باستنزاف الاحتياطي الأجنبي

إنقاذ الدينار لا يكون باستنزاف الاحتياطي لحمايته، وإنما بإصلاح المالية العامة، وتنويع الاقتصاد، وزيادة الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وحماية استقلال البنك المركزي، وبناء سياسة مالية تستطيع الصمود عندما ينخفض النفط.

فالدينار لا يفقد قوته عندما يتغير الرقم على شاشة الصرف فقط؛ بل يبدأ بفقدانها عندما يصبح الاقتصاد عاجزاً عن حماية القوة الشرائية لمن يحمل هذا الدينار.

المصدر:
لوحة بيانات احتياطيات البنك المركزي العراقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *