التحول نحو الدينار الرقمي العراقي (CBDC): قراءة أكاديمية في الأبعاد الاقتصادية، التحديات التشغيلية

التحول نحو الدينار الرقمي العراقي (CBDC) قراءة أكاديمية في الأبعاد الاقتصادية، التحديات التشغيلية
يمثل الدينار الرقمي العراقي تحولاً نحو الاقتصاد الرقمي باعتباره عملة سيادية يصدرها البنك المركزي، وليس عملة مشفرة لامركزية. ويمكن أن يعزز الشمول المالي والشفافية ويخفض تكاليف إدارة النقد، لكنه يواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية والثقة والمخاطر السيبرانية، ما يتطلب تطبيقاً تدريجياً....

1. المقدمة

يُشكل طرح “الدينار الرقمي العراقي” كعملة رقمية صادرة عن البنك المركزي (CBDC) تحولاً هيكلياً في النظام النقدي العراقي. يختلف الدينار الرقمي جوهرياً عن الأصول المشفرة اللامركزية (كالعملات  المشفّرة مثل البيتكوين) فهو عملة سيادية قانونية تكافئ الدينار الورقي بقيمته و السند القانوني لكنه يُتداول عبر شبكات ومحفظات رقمية خاضعة لرقابة سلطة الإصدار المركزية

يأتيك هذا الطرح الأكاديمي لبحث مدى نجاعة المقترحات النيابية والحكومية الداعية لاستخدام الدينار الرقمي كأداة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العراقي.

2. الدوافع الاقتصادية والمالية لإدخال الدينار الرقمي في العراق

تتضاعف أهمية تبني الدينار الرقمي في البيئة العراقية بناءً على ثلاثة محاور رئيسية:

_ مكافحة الاكتناز النقدي وتنشيط السيولة: يعاني الاقتصاد العراقي من ظاهرة تسرب النقد الورقي خارج المنظومة المصرفية (الاكتناز الاحتياطي لدى الأفراد) اذ  يُتيح الدينار الرقمي جذب هذه السيولة المعطلة وإدخالها ضمن دورة المدفوعات الرسمية.

_ تقليل تكاليف الإدارة النقدية وضبط الانكماش التشغيلي: يتحمل البنك المركزي العراقي سنوياً تكاليف باهظة لطباعة العملة الورقية، ونقلها، وحمايتها، وإتلاف التالف منها والانتقال للعملة الرقمية يقلص هذه النفقات التشغيلية بنسبة كبيرة.

_تعزيز الشمول المالي وتتبع الأموال: يسهم النظام الرقمي في دمج الفئات غير المصرفية التي تمتلك هواتف ذكية دون حسابات بنكية في الاقتصاد الرسمي، مع الحد من ظواهر الفساد المالي، وغسل الأموال، والتهرب الضريبي عبر إمكانية تتبع مسار المعاملات المالي.

3. التحديات الهيكلية والمخاطر أمام المقترح العراقي

رغم الجدوى الاقتصادية النظرية، تواجه عملية إطلاق الدينار الرقمي في العراق كوابح موضوعية:

_ ضعف البنية التحتية التكنولوجية والفجوة الرقمية: تتطلب العملة الرقمية اتصالاً مستقراً بشبكات الإنترنت وأنظمة أمن سيبراني عالية الكفاءة حمايةً للمعلومات من الاختراق. تذبذب الخدمات في بعض المحافظات والمناطق النائية يُعيق الشمول العدلي لكافة المواطنين.

_ عقبة الثقة المجتمعية والاقتصاد غير الرسمي: يسود الاقتصاد العراقي طابع التعامل النقدي المباشر (“الكاش”) لاعتبارات تتعلق بالسرية والتهرب الضريبي أو ضعف الثقة بالقطاع المصرفي. تحويل الرواتب رقمياً لن يحقق أهدافه إذا سارع المواطنون لتحويل رصيدهم الرقمي إلى كاش فور استلامه.

– خطر المخاطر السيبرانية والنزوح الادخاري : في أوقات الأزمات المالية، قد يفضل الأفراد تحويل أَموالهم فوراً من حسابات البنوك التجارية إلى حسابات الدينار الرقمي لدى البنك المركزي، مما يتسبب في شح سيولة حاد لدى المصارف التجارية.

4. الخاتمة والتوصيات السياساتية

يُمثل المقترح النيابي لإصدار الدينار الرقمي خطوة استراتيجية واعدة للتحول نحو الاقتصاد الرقمي وتعزيز الحوكمة المالية، ولكنه ليس دواءً ناجعاً بحد ذاته لمعالجة الاختلالات الموازنية أو العجز المالي، بل هو أداة تنظيمية وتنفيذية.

_ التدريج التنفيذي: البدء ببرامج تجريبية  تنحصر في جباية الرسوم الحكومية وتوزيع رواتب فئات محددة لتقييم الشبكة.

_البنية التحتية المزدوجة: اعتماد تقنيات تعمل جزئياً دون الحاجة للاتصال الدائم بالإنترنت  لتجاوز انقطاعات الشبكة.

_ الإطار التشريعي والتوعوي: سن قوانين حماية البيانات المالية وإطلاق حملات توعية بناءة لتغيير الثقافة المالية المجتمعية نحو خيار الدفع الرقمي بدلاً من الاكتناز الورقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *