بين التهويل الإعلامي وصناعة الخوف وإعادة رسم معادلات الردع

بين التهويل الإعلامي وصناعة الخوف وإعادة رسم معادلات الردع
يحلل المقال تصعيد الخطاب الإعلامي الغربي وتهويله في قضية مادورو ويقارنها بالرد الإيراني الذي يعكس تحولًا في استراتيجية الردع الإقليمي. يبرز كيف يُستخدم الخوف كأداة سياسية مؤكدًا أن الحرب النفسية لا تضمن استقرارًا بل قد تؤدي إلى تصعيد....

شهد الخطاب السياسي والإعلامي الغربي في الآونة الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق في نبرة التهديد، عقب ما جرى تداوله على نطاق واسع بشأن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة للمثول أمام القضاء.

وبغضّ النظر عن الجدل القانوني والسياسي الذي لا يزال يحيط بظروف الحادثة وتوصيفها، فإن الأهم من الحدث ذاته هو كيفية توظيفه إعلاميًا، وتحويله إلى رسالة ردع عابرة للحدود، وُجّهت بوضوح إلى كل من يُصنّف في خانة الخصوم أو(الدول المارقة) وفق التصنيف الأمريكي.

لم يُقدَّم ما جرى باعتباره واقعة استثنائية مرتبطة بسياقها الخاص، بل جرى تضخيمه وتسويقه كنموذج قابل للتكرار، وكأن الرسالة المراد إيصالها تقول:

ما حدث في كاراكاس يمكن أن يتكرر في أي عاصمة أخرى.

هذا الأسلوب يعكس منطقًا قديمًا في إدارة الصراع الدولي، يقوم على الحرب النفسية قبل المواجهة الفعلية، وعلى بث الخوف بدل خوض المعارك.

وهو ما ينسجم مع المقولة المتداولة قديمًا:

«اضرب الجبان ضربة يفزع لها قلب الشجاع»،

حيث يُراد لمشهد واحد أن يُحدث أثرًا ردعيًا واسعًا يتجاوز حجمه الحقيقي.

غير أن هذا المنطق لا يعمل في فراغ، ولا يمرّ دون ردود فعل. فبالتوازي مع هذا التهويل الإعلامي، صدر عن إيران موقف لافت تمثّل في بيان أمانة مجلس الدفاع، أكدت فيه طهران حقها في العمل الدفاعي الاستباقي إذا ما توافرت دلائل على تهديد وشيك وفوري، معتبرة أن الاكتفاء بالرد بعد وقوع الضربة لم يعد بالضرورة الخيار الوحيد.

هذا التصريح، وإن صيغ بلغة قانونية حذرة، عكس تحولًا مهمًا في التفكير الأمني، أو على الأقل في الإعلان عنه. فهو لا يعلن حربًا، لكنه يبعث برسالة مفادها أن مرحلة ضبط النفس غير المشروط قد تكون شارفت على نهايتها، وأن منطق الردع لم يعد أحادي الاتجاه.

هنا تتقاطع الرسالتان:

رسالة أمريكية قائمة على استعراض القدرة والاختراق، ورسالة إيرانية تؤكد الاستعداد لكسر معادلة الانتظار. والنتيجة ليست تهدئة، بل إعادة رسم لمعادلة الأمن الإقليمي، حيث يصبح سوء التقدير أكثر خطورة، ويغدو التهويل الإعلامي عاملًا من عوامل التصعيد لا الردع.

إن الدول، بخلاف الأفراد، لا تُدار بالخوف وحده. والتاريخ الحديث يبيّن أن الحرب النفسية، مهما بلغت شدتها، لا تُنتج استقرارًا دائمًا إذا لم تُسند بشرعية قانونية، وقدرة فعلية على تحمّل كلفة التصعيد. بل إن الإفراط في استعراض القوة قد يدفع الخصوم إلى تسريع خياراتهم بدل تجميدها.

من هنا، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد سلسلة أخبار متفرقة، بل تحول في لغة الصراع نفسه: لغة تُقلّص المسافة بين التهديد والفعل، وتدفع المنطقة بأسرها نحو حافة اختبار جديد، قد لا يكون أحد مستعدًا لتحمّل نتائجه الكاملة.

فالسياسة الدولية لا تُدار بالضربات الاستعراضية وحدها، ولا بالخوف المصنوع في العناوين العريضة، بل بتوازن دقيق بين الردع والمسؤولية، وبين القوة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *