منذ أن وقّع الرئيس المصري أنور السادات معاهدة كامب ديفيد عام 1978، دخلت المنطقة طورًا جديدًا من التعاطي مع الكيان الصهيوني، طورًا عنوانه “التطبيع كأمر واقع”. خرجت القوى السنية المركزية من دائرة المواجهة، وبدأت تتعامل مع إسرائيل لا كعدو استراتيجي، بل كقوة نافذة في الإقليم، يمكن التفاهم معها برعاية أمريكية.
في المقابل، بقيت قوى شيعية صاعدة
وعلى رأسها الجمهورية الإسلامية في إيران وحلفاؤها في ساحة المواجهة، رافضة الاعتراف بشرعية الاحتلال، ومتمسكة بخيار المقاومة المسلحة، باعتبارها الطريق الوحيد لتحرير الأرض واستعادة الكرامة.
لكن المفارقة الأشد خطورة، أن بعض الأنظمة السنية المطبّعة باتت تُفضّل إسرائيل على قوى المقاومة، فقط لأنها مدعومة من إيران. فالإعلام الطائفي نجح في قلب المعادلة: أصبح العدو هو “الشيعي”، لا “الصهيوني”، وأصبحت إيران – لا إسرائيل – التهديد الذي يجب مواجهته بكل السبل. ومن هنا، لم يعد مستغربًا أن نرى بعض الأبواق الإعلامية العربية تدافع عن إسرائيل ضمنيًا، وتهاجم فصائل المقاومة وتصفها بـ”أذرع إيران”، حتى وإن كانت هذه الفصائل تقاتل من أجل القدس وغزة.
إن هذا الانقسام بين محور اختار طريق التطبيع، ومحور اختار طريق المقاومة، لم يعد مجرد خيار سياسي، بل تحول إلى صراع على هوية المنطقة ومستقبلها. ومن سينتصر في هذه المعركة، سيملك الكلمة العليا في صياغة شكل النظام الإقليمي الجديد لعقود قادمة.
ولعل ما يشهده الواقع اليوم يعيد إلى الأذهان الحديث النبوي الشريف حين تلا النبي ﷺ قول الله تعالى:
{وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}
فسُئل عن من هم هؤلاء القوم، فأشار إلى سلمان الفارسي وقال: هذا وقومه، ولو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من فارس
بهذا التوجيه النبوي العميق، نفهم أن الحق لا يُحمل بالأسماء والانتماءات، بل بالفعل والصدق والإخلاص. فحين تتولّى أمة أو قيادة عن مسؤوليتها، فإن الله يستبدل بها من هو أحق بحمل الرسالة، ولو كان من أقصى الأرض. وهذا ما نراه اليوم واقعًا: أنظمة سنية تتراجع وتخضع للاحتلال، وهي تمثّل أمة المليار مسلم، تقابلها قوى شيعية تنهض من عمق التاريخ لتتقدم إلى مركز الصراع، لتكون هي المحور وقطب الرحى، مدفوعة بإيمانها العميق وبعدالة قضيتها، وعلى رأسها وعين قلادتها الجمهورية الإسلامية في إيران.
لقد بدأ الزمن ينقلب ومن يتراجع عن موقعه التاريخي، يُستبدل بمن هو أقدر وأخلص وأشجع. وهكذا تُكتب فصول جديدة في تاريخ الصراع، ليس على أساس الطائفة، بل على أساس من يختار أن يكون مع الحق، مهما كان الثمن.

