الدينار والدولار: من يقرر مصير اقتصاد العراق؟
يدور الحديث في الأوساط الاقتصادية والإعلامية العراقية بين حين وآخر حول فكرة تعويم الدينار، وكأن هذا الخيار السحري يمكن أن يحرر الاقتصاد من تبعية الدولار ويعيد السيادة النقدية المفقودة.
لكن خلف هذا الحلم البراق تقف مجموعة من الحقائق القاسية:
-اقتصاد ريعي يعتمد على النفط.
-بنية نقدية هشة.
-احتياطي محدود يواجه ضغوطا داخلية وخارجية.
كما ان التعويم في جوهره يعد أداة تتجاوز البعد الفني لتحديد سعر الصرف، فهو قرار سيادي عميق يمسّ قدرة الدولة على حماية مواطنيها من تقلبات السوق وصدمات السياسة النقدية العالمية.
•مفهوم التعويم وجدليته في الحالة العراقية
التعويم يعني ترك سعر صرف العملة الوطنية يتحدد بحرية وفق قوى العرض والطلب في السوق، دون تثبيت رسمي من البنك المركزي.
ويفرّق الاقتصاديون بين نوعين أساسيين من التعويم:
– التعويم الكامل: يترك فيه السعر للسوق بالكامل دون تدخل الدولة.
– التعويم الموجّه: يسمح البنك المركزي بتقلبات محدودة، ويتدخل عند الضرورة لتصحيح الانحرافات الحادة.
في الحالة العراقية، يطرح التعويم كأداة لاستعادة القرار النقدي من الهيمنة الأمريكية ولعكس القيمة “الحقيقية” للدينار، لكنه في الوقت ذاته يثير مخاوف واسعة من أن يؤدي إلى فوضى مالية وانهيار معيشي، إذا لم تتوفر البيئة الاقتصادية المناسبة.
•المخاطر المحتملة للتعويم في العراق
1-انهيار قيمة الدينار
يعتمد العراق على النفط كمصدر شبه وحيد للعملة الأجنبية، ما يجعل الدينار هشا أمام أي تراجع في أسعار النفط أو في تدفق العائدات.
تحرير سعر الصرف فجأة سيؤدي إلى انخفاض حاد في قيمة الدينار، لترتفع معه أسعار السلع المستوردة ويصاب السوق بحالة من الذعر النقدي.
2-التضخم المفرط وفقدان الثقة
أي انخفاض حاد في قيمة العملة سينعكس فورا على الأسعار المحلية، خصوصا المواد الغذائية والدوائية، ما سيؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمواطن وارتفاع مستويات الفقر.
وقد أثبتت تجارب دول مثل لبنان وزيمبابوي أن التعويم غير المدروس يمكن أن يتحول إلى كارثة تضخمية تفقد الثقة بالعملة الوطنية.
3-هروب رؤوس الأموال
في بيئة غير مستقرة، سيؤدي فقدان الثقة إلى خروج سريع لرؤوس الأموال نحو الدولار أو الخارج، ما يزيد الضغط على السوق ويعمق الانهيار.
• شروط التعويم الناجح
لكي يكون التعويم خطوة إصلاحية لا انتحارية، لا بد من تهيئة ثلاثة شروط أساسية:
1-تنويع مصادر النقد الأجنبي
لا يمكن تحرير العملة في اقتصاد يعتمد بنسبة تفوق 90% على النفط، والمطلوب تطوير الصادرات الغير نفطية، وتحفيز الصناعة والزراعة والخدمات المنتجة للعملة الصعبة.
2-تعزيز الاحتياطي النقدي
الاحتياطي هو خط الدفاع الأول أمام المضاربات وتقلبات السوق، وامتلاك البنك المركزي لاحتياطي قوي من الدولار والعملات الأخرى يمنحه القدرة على التدخل السريع لحماية سعر الصرف.
3-استقلالية البنك المركزي
أي خطوة نحو التعويم يجب أن تكون قرارا اقتصاديا لا سياسيا، كما ان استقلال القرار النقدي عن الصراع السياسي يوفّر الثقة المطلوبة للمواطنين والمستثمرين على حد سواء.
•البدائل الواقعية – التعويم الموجّه
بدلا من القفز نحو تعويم كامل، يمكن للعراق تبنّي نظام التعويم الموجّه كمرحلة انتقالية:
-يحدد البنك المركزي نطاقا مستهدفا لقيمة الدينار مقابل الدولار.
-يتدخل عند الحاجة عبر بيع أو شراء العملة للحفاظ على الاستقرار.
-ومع تحسن المؤشرات الاقتصادية، يسمح تدريجيا بتوسيع هامش التحرك حتى يصل السعر إلى مستوى السوق الحقيقي.
وهذا النموذج يقلّل المخاطر ويمنح الاقتصاد وقتا للتأقلم مع المتغيرات.
•دروس من التجارب الدولية
لبنان: أدى التعويم غير المنضبط منذ 2019 إلى انهيار الليرة بأكثر من 98%.
مصر: تعويم 2023 خفّض قيمة الجنيه إلى النصف، ورفع التضخم فوق 35%.
تركيا: فقدت الليرة 80% من قيمتها خلال خمس سنوات بسبب غياب الانضباط النقدي.
وتظهر هذه التجارب أن التعويم دون إصلاحات اقتصادية وهيكلية مسبقة يقود إلى الفوضى، وليس إلى التحرر النقدي الحقيقي.
•التوصيات العملية
1-رفض التعويم الكامل الفوري لعدم توفر الأسس الاقتصادية الكافية.
2-اعتماد التعويم الموجّه التدريجي ضمن خطة إصلاح شاملة.
3-تعزيز الاحتياطي النقدي وتنويع مصادر الدخل القومي.
4-دعم الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الواردات.
5-ترسيخ استقلالية البنك المركزي عن الصراع السياسي.
•اخيرا
التعويم ليس هدفا اقتصاديا بحد ذاته، بل وسيلة لاستعادة السيادة النقدية عندما تتوفر شروطها.
أما في العراق، فإن تطبيق التعويم قبل تحقيق الإصلاح الهيكلي المطلوب سيحوّله من أداة تحرر إلى عامل فوضى.
فالتحرر النقدي الحقيقي لا يأتي بقرار مفاجئ، بل من خلال بناء اقتصاد منتج، واحتياطي قوي، ومؤسسة نقدية مستقلة.
إن الحلم بالاستقلال المالي مشروع، لكن تحويله إلى واقع يتطلب واقعية، لا مجازفة.
المصادر:
1-البنك الدولي (2024): تقرير مراقبة الاقتصاد اللبناني.
2-البنك المركزي العراقي (2024): بيانات الاحتياطي النقدي.
3- صندوق النقد الدولي (2024): تقرير آفاق الاقتصاد العالمي.


