كيف سيحافظ العراق على مصالحه دون أن يخسر الشركاء
تشكل العقوبات الأمريكية الأخيرة على شركتي “لوك أويل” و”روسنِفت” الروسيتين محطة جديدة في الصراع الاقتصادي الدولي، إذ تحوّلت الحرب الاوكرانية إلى حرب مالية واقتصادية وجيوسياسية شاملة، تمتد آثارها إلى أسواق النفط العالمية.
ورغم أن العراق لم يستهدف مباشرة، إلا أن استثمارات روسية كبيرة في البصرة، كردستان، وحقل بدرة في واسط، تجعل البلاد أمام تحديات معقدة على صعيد الإنتاج، التمويل، والسيادة الاقتصادية.
• سياق العقوبات ودلالاتها
تأتي العقوبات ضمن استراتيجية أمريكية لضغط اقتصادي على موسكو، وتقليص قدرتها على تمويل عملياتها العسكرية.
واشنطن تراهن على أن عزل الشركات الروسية سيجبر الشركاء الدوليين على إعادة التموضع.
العراق، باستثماراته الروسية التي تتجاوز 19 مليار دولار، عرضة للضغط غير المباشر.
العقوبات تعكس التنافس الدولي على أسواق الطاقة، خصوصا مع صعود الدور الصيني كمستورد رئيسي للطاقة واستثماراته الضخمة في العراق، الذي قد يمثل له هامش مناورة إضافي لتخفيف الضغط الأمريكي.
•الحضور الروسي والصيني في العراق
لوك أويل: تدير حقل غرب القرنة-2 في البصرة.
روسنفت: لديها استثمارات في خطوط الأنابيب بشمال العراق وكردستان.
غازبروم نفط: تعمل في حقل بدرة بمحافظة واسط و(لم يرد اسمها في العقوبات الامريكية الجديدة).
الصين، شريك استراتيجي كبير في مشاريع الطاقة والبنية التحتية، ويمكنها أن تلعب دورا كابحا وموازنا أمام الضغوط الأمريكية.
هذه الاستثمارات الروسية والصينية الضخمة ليست عقود تجارية صغيرة ومحدودة، انما هي أوراق قوة اقتصادية وسياسية، وأي تصعيد أمريكي قد يخلق توترا ماليا وتشغيليا في هذه المشاريع، ويزيد من تعقيد موقف العراق.
•التأثيرات المحتملة على العراق
1-مالية:
التعامل المالي عبر العملات البديلة أو الدينار أو وسطاء لتجاوز العقوبات، أصبح أكثر صعوبة، النظام المالي الأمريكي يملك أدوات متقدمة لتعقب التحويلات، والبنوك الدولية تخشى الغرامات الباهظة.
2-فنيا وتشغيليا:
احتمال تأخر الإمدادات أو انسحاب بعض الموردين والمتعاقدين الثانويين، الامر الذي سيعطل جزئيا عمليات التطوير والانتاج.
3-سياسيا واستراتيجيا:
زيادة الضغوط الأمريكية لتقليص التعاون مع موسكو، مع محاولة واشنطن استغلال ضعف الداخل العراقي (الفساد والانقسامات السياسية) للتضييق على الحكومة.
4-داخليا:
الانقسامات السياسية، وفشل الحكومات السابقة في تمرير موازنات مستقرة أو تشكيل حكومة قوية، يضعف أي استراتيجية سيادية ويجعل تنفيذ أي خطة للتعامل مع العقوبات صعبا ومعرضا للفشل.
•خيارات العراق
1-الحياد الإيجابي
إدارة التوازن بدقة، بحيث يظل العراق على مسافة واحدة من جميع الأطراف، ويستفيد من الشراكات الروسية والصينية دون استفزاز واشنطن.
2- التعامل المالي بحذر شديد
أي تسويات عبر عملات بديلة أو وسطاء تحتاج تخطيطا دقيقا وأدوات قانونية ومالية متقدمة، وليست مجرد مقايضة بسيطة.
3-الانفتاح على محور الشرق بحذر
تعزيز التعاون مع الصين، روسيا، إيران، والهند، مع توخي الحذر من مخاطر الصدام الأمريكي-الإسرائيلي-الإقليمي التي قد يدفع العراق ليصبح ساحة صراع بالوكالة.
4-تحصين القرار الوطني داخليا
الإصلاحات الداخلية لمحاربة الفساد وتقوية المؤسسات السياسية والمالية ضرورية لجعل أي سياسة خارجية فعالة ومستدامة.
-
الاقتصاد ساحة صراع إرادات
العقوبات ليست ضغوط مالية واقتصادية فقط، بل هي أداة حرب ناعمة تهدف لإخضاع الدول دون إطلاق رصاصة.
وما يجري ضد روسيا وحلفائها، هو امتداد لسياسة الهيمنة الأمريكية على خصومها منذ عقود.
العراق، من موقعه الاستراتيجي، يجب أن يكون فاعلا مستقلا، يستفيد من التعددية الدولية لتحقيق مصالحه، مع الاستلهام من تجربة محور المقاومة (إيران) في المرونة تحت الضغط “الصمود مع البراغماتية”.
• ماذا لو تصاعدت العقوبات؟
إذا توسعت العقوبات لتشمل استثمارات وشركات روسية أخرى مثل غازبروم التي تعمل في حقل بدرة، فإن العراق سيكون أمام تحديات أكبر:
– تباطؤ الإنتاج الذي سيحد من إيرادات الدولة، ويؤدي الى اضطراب التوازنات الداخلية بين المركز والاقليم والمحافظات.
– إعادة هيكلة الشركات الروسية أو اللجوء لشراكات غير مباشرة، مما يتطلب خطة بديلة حكومية لضمان استمرارية المشاريع الحيوية.
وهنا يمكن تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة صياغة العقود والشراكات بما يخدم مصالح العراق، مع إدارة المخاطر الجيوسياسية بحذر.
•اخيرا
تضع العقوبات العراق أمام سؤال وجودي:
فهل سيبقى تابعا للمنظومة المالية الغربية، أم انه سيبني هوية اقتصادية وسياسية مستقلة؟
الجواب لا يكمن في شعار أو اصطفاف، بل في إرادة سياسية جادة، تعيد التوازن بين الشرق والغرب، تحمي سيادة القرار الوطني، وتستثمر الفرصة لتعزيز مكانة العراق كـ قوة وسطية قادرة على المناورة الاستراتيجية، بعيدا عن الانجرار إلى صراعات أطراف خارجيين.


