بالرغم من التقدم في كل محاور الحملة الانتخابية إلا أننا نشعر بالحزن والأسى لوداع الشهيد صفاء رحمه الله إلى مثواه الأخير… وبالرغم من كل الأصوات الطيبة والإعلامية التي تناولت الحادث الأليم بمختلف توجهاتها… تحياتي لهم كانت ولا تزال تبحث عن الحقيقة في مستودع سرها، وأنا جزء منهم حيث وضحتها باختصار وأشرت أن المجرم هو شخص محلي وغير متنكر بزيٍ بعيدٍ عن ألوان الطيف الاجتماعي عن أهله وأتقن بحرفية عالية تواجده مع بعض الجهات الأمنية…
الجاني قريب والسيناريو محلي
المعطيات الأولية التي تناقلها الناس تشير إلى أن الفاعل ليس عنصرًا خارجيًا متنكرًا، بل هو شخص محلي معروف في بيئته، وامتلك قدرة على التموقع بين الناس وفي محيط الحماية. هذا الأمر يشي بوجود خلل أمني اجتماعي؛ فالقدرة على الاختفاء والتواجد مع أطراف أمنية دون كشف أمر يدلّ على ثغرات في آليات الفحص والتحقّق.
وإذا صحّ هذا الاستنتاج فإنّ المعركة ليست ضد إرهابٍ مجهول فحسب، بل ضد شبكات محلية متغلغلة تستطيع النفاذ إلى بنى الحماية المحلية واستغلال تواطؤ أو ضعف جاهزية في بعض الأجهزة.
الحشد الشعبي ودوره في الساحة المحلية
لا يمكن أن نغفل عن دور فصائل المقاومة والألوية التي ساهمت في تحرير مناطق كثيرة، ومن بينها ألوية النجباء التي ذُكرت كمكوّن فعّال في الطارمية. الشهيد المشهداني كان جزءًا من منظومة الحشد الشعبي، ما يمنحه مكانة شعبية ومقبولية في المجتمع. هذا العامل —أي الشهرة والمواجهة المباشرة مع عناصر داعش سابقًا— قد يجعله عرضة لاستهدافٍ مقصود من جهات لم تَرق لها صلابة وجوده وتأثيره في محلّه.
إخفاقات الحماية الشخصية وأخطاء فنية
من الملاحظ أيضًا أن كثيرًا من منظومات الحماية الشخصية في البلد تستند إلى أقارب غير مدرّبين أو إلى أفراد لا يمتلكون الخبرة الكافية في فنون الحراسة والتفتيش. هذه الحقيقة التقنية البسيطة —كجهل كيفية تفتيش المركبات أو استعمال المرايا أو فحص الأمتعة— قد تفتح شروخًا كبيرة في منظومة الأمن الشخصي.
لا يُعاقب أحد هنا دون تحقيق، لكن من غير الجائز القفز فورًا إلى اتهام جهاز بعينه قبل اكتمال نتائج التحقيقات، فضعف الحماية ونقص التدريب قد يكونان سببًا مباشراً في وقوع الكارثة.
أبعاد سياسية وفساد يُستثمر في العنف
إضافةً إلى ذلك، لا بد من تأكيد أن خلفية الحادث تحمل بعدًا سياسيًا لا يمكن تجاهله؛ فالبلاد تعيش في مناخٍ تتقاطع فيه المصالح، والفساد المالي والإداري يخلق قوى خفية تستثمر الفوضى لتمرير مشاريعها. وجود جهات محلية ومناطقية تعمل بمصالح خاصة أو تتحالف مع قوى الظل يجعل مهمة كشف الجناة أصعب؛ إذ إنّ هذه الجهات قد تمتلك شبكة علاقات توفر لها غطاءً مؤقتًا أو تمكنها من التمركز داخل المجتمع دون ملاحظة سريعة.
عزوف المواطنين عن التعاون عقبة كبرى
أهم ما يعرقل سير التحقيقات هو غياب التعاون الشعبي— المواطنون يترددون أحيانًا في الإدلاء بمعلومات بدافع الخوف أو الحذر أو عدم الثقة في نتائج المتابعة. هذا الصمت المجتمعي يمنح الجناة هامش تحرّكٍ أوسع ويطيل زمن كشف الحقيقة. الأمن المجتمعي بحاجة إلى شراكة فعلية بين المواطن والجهاز الأمني، وإلى ضمانات تحمي المبلغين وتسحب الخوف من صدورهم.
ما الذي نريد الآن؟
لذا، وحتى توضح الجهات الرسمية موقفها وتقدّم الحقائق، يجب أن تتوافر أربعة شروط رئيسية بسرعة:
- تحقيق قضائي شفاف ومستقل يفتح ملفات واضحة ويعرض النتائج للرأي العام.
- ملاحقة الجناة بلا هوادة مهما علا شأنهم أو اتسعت شبكاتهم.
- رفع مستوى التدريب للحمايات الشخصية وإعادة تأهيل فرق الحراسة بما يتماشى مع معايير الحماية المهنية.
- برنامج وطني لتعزيز تعاون المواطنين مع الأجهزة الأمنية عبر حماية الشهود وتحفيز ثقافة المواطنة الأمنية.
وبحسب ما أشرنا، الشهيد المشهداني يعد جزءًا من منظومة الحشد الشعبي التي حاربت الإرهاب وكان يتمتع بمقبولية وشعبية هزت عروشهم وكان عمله المتواصل هو سببًا في مقتله. ولأجل كل هذا لا بد من انتظار الجهات الرسمية لحين الانتهاء من التحقيقات الجارية وتحديد الجناة وتقديمهم للعدالة. أما الجانب الآخر فإن أغلب الحمايات الشخصية هم من أقارب المسؤولين وغير مدرَّبين على حمايتهم ولديهم جهل كبير عن كيفية تفتيش العجلات الخاصة بالمسؤول وطرق استخدام المرآة والتي لا يتجاوز سعرها سوى ٥٠ ألف دينار كي لا نرمي بالاتهامات على الأجهزة الأمنية الأخرى… كل هذه العوامل وغيرها تسببت في ذلك أم الأسباب الأخرى فهي سياسية بامتياز يتقدمها الفساد المالي والإداري والقائمين عليه وأعتقد أغلب الجناة هم من جهات محلية ومناطقية يصعب على الأجهزة الأمنية كشفهم بسهولة أو بوقت مبكر والسبب الرئيسي هو انعدام تعاون المواطنين مع هذه الأجهزة وعزوفهم من تقديم أي معلومات مهمة بهذا الجانب.


