في شأن العلاقات العراقية – الأمريكية

في شأن العلاقات العراقية – الأمريكية
عيّن ترامب مبعوثًا أمريكيًا من أصل عراقي لتعزيز التواصل مع بغداد، في سياق المنافسة مع القوى الشرقية، بهدف ترميم العلاقات وإعادة العراق إلى المعادلة الدولية، مع التأكيد على ضرورة سياسة خارجية عراقية متوازنة ومستقلة...

في كل صباح جديد نجد صباحاً آخر لا يشبه بقيّة الصباحات من عمر العلاقات بين البلدين. واليوم فوجئنا أن الرئيس الأمريكي ترامب يعين مستشاراً من أصول عراقية (مارك سافايا) ومن أبوين عراقيين، مواليد 1985 في بغداد، ليكون مبعوثاً شخصياً له فقط، وخارج منظومة المبعوثين المعنيين بما يسمى الشرق الأوسط. يتميز الرجل بعقلية تجارية وسياسية فريدة، وكان له حضور في الانتخابات السابقة، وكذلك في إدارة قسم من الملفات الساخنة محلياً، من دون أي وصف وظيفي معروف لدى الأوساط هناك.

مبعوث من أصول عراقية: رسالة متعددة الأوجه

يبدو للعيان أن السبب في هذا التعيين هو الحاجة المستجدة لنموذج شخصي محلي لترتيب الأوضاع بعد غياب العراق عن المشهد السياسي الأمريكي في السنوات الأخيرة. فالعلاقات العراقية – الأمريكية تمرّ منذ فترة بمرحلة من الفتور وعدم الوضوح في الاتجاهات، لا سيما مع ظهور تحديات صعبة ضمن رؤية ترامب الدولية بعد مؤتمر غزة، الذي أعاد واشنطن إلى دائرة التوتر في المنطقة. في خضم هذه المعادلة المضطربة، يُراد للمبعوث الجديد أن يكون همزة وصل بين البيت الأبيض والواقع العراقي، على أمل ترميم العلاقة التي تشوّهت بسبب تداخل الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

العراق في الحسابات الأمريكية الجديدة

لا يمكن فصل هذا التعيين عن تحولات المشهد الدولي. فظهور المعسكر الشرقي بقيادة الصين وروسيا وكوريا خلق قلقاً متزايداً لدى واشنطن من اتساع نفوذ الشرق في الشرق الأوسط. والعراق، بحكم موقعه الجغرافي وثقله النفطي والسياسي، يمثل ساحة توازن مهمة. عودة الاهتمام الأمريكي به ليست بدافع الصداقة فقط، بل لحماية النفوذ الاقتصادي والسياسي في منطقة باتت أكثر ميلاً نحو الشراكات الآسيوية. ومن هنا، فإن المبعوث العراقي الأصل يشكّل ورقة رمزية لتأكيد أن واشنطن ما زالت تمتلك حضوراً واهتماماً خاصاً بالعراق، ولو عبر قناة شخصية محدودة.

الضغوط القصوى… والملف العراقي بين التجاذبات

الحديث عن “الضغوطات القصوى” لم يكن يوماً خطاباً اقتصادياً فحسب، بل هو سلاح سياسي تستخدمه الإدارة الأمريكية لإخضاع الخصوم وتطويع الحلفاء. العراق، الذي يجد نفسه في مفترق طرق بين الشرق والغرب، يتأثر بهذه السياسة من خلال العقوبات الاقتصادية، أو القيود المصرفية، أو حتى عبر ضبط حركة الأموال والتحويلات. أما إدراج بعض فصائل المقاومة العراقية على قوائم الإرهاب العالمي فهو امتداد لمنهج الضغوط القصوى ذاته، الذي يريد الحد من استقلال القرار العراقي وإبقاء الساحة خاضعة لمعادلات النفوذ الأمريكي. ومع ذلك، يبقى العراق بحاجة إلى حوار متوازن مع واشنطن لا إلى قطيعة تعزله عن المنظومة الدولية.

دور المبعوث الجديد: وسيط أم منفذ سياسة؟

وجود مبعوث من أصول عراقية بهذا التوقيت وبهذا الشكل ليس تفصيلاً عابراً. فربما يراد منه أن يكون محطة وسطية لترتيب أوراق البيت الأبيض خلال وبعد الانتخابات الأمريكية، وتحديد أسبقية الاهتمام بالعراق بعنوان “سري للغاية”. وفي الوقت نفسه، قد يكون الهدف إعادة العراق إلى تصنيفه العالمي ضمن المعادلة الإقليمية التي تعيد رسمها واشنطن. لكن السؤال الجوهري هو: هل سيكون هذا المبعوث مجرد أداة لتسويق رؤية الإدارة الأمريكية، أم جسراً حقيقياً لتفاهمٍ متوازن يعيد الثقة بين البلدين؟

المعادلة الدولية الجديدة: بين الترويكا الأوروبية والمثلث الشرقي

العراق اليوم يقف وسط تكتلين متنافسين: الترويكا الأوروبية التي تحاول الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والطاقوية، والمثلث الشرقي (الصين – روسيا – كوريا) الذي يسعى إلى خلق نظام عالمي متعدد الأقطاب. ومن هنا فإن على بغداد أن تدير علاقاتها بحذر وذكاء، بحيث لا تكون أداة بيد أحد الطرفين. تعيين مبعوث أمريكي من أصل عراقي قد يكون محاولة لإعادة ربط بغداد بالغرب عبر بوابة شخصية مألوفة ثقافياً، لكن نجاح هذه الخطوة مرهون بقدرة العراق على صياغة سياسة خارجية واقعية تقوم على الندية لا التبعية.

الخاتمة: إعادة العراق إلى موقعه في المعادلة القادمة

إذن، وجود مثل هذا النموذج ومن أصول عربية، وظهوره بهذا الوقت والشكل، يهدف لأن يكون محطة وسطية لترتيب أوراق البيت الأبيض خلال وبعد الانتخابات، وكذلك لتصنيف أسبقية الأهمية بعنوان “سري للغاية”. ومن جهة أخرى، يسعى إلى إعادة العراق إلى تصنيفه العالمي بشكل يوازن المعادلة كما ذكرنا آنفاً، وإيصال قطع غيار ضرورية للمرحلة التكميلية الباقية من فترته الرئاسية الحالية، وترميم العلاقات بين البلدين في خطوات تصحيحية وتقديم إسنادٍ من “الترويكا الأوروبية”، لإعادة عصا القيادة لتسويق ثرواته عند الشدّة والإحراج، خارج نطاق المثلث الشرقي المعادي، وعدم ترك العراق بعيداً عن شواطئ المعادلة القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *