يستند المخططون إلى أرقام حقيقية لبناء خططهم المستقبلية سواء كانت سنوية أم خمسية أو إستراتيجية. وللتبسيط فالخطة السنوية أمدها سنة والثانية متوسطة المدى أمدها خمس سنوات والأخيرة الإستراتيجية أمدها من (20) عاماً وصعوداً.
والبرنامج الحكومي هو الترجمة الدقيقة لمضامين وأهداف الخطط إجمالاً، كيف؟ دستورياً فإنَّ عمر أيّ حكومة تأتي على هامش الانتخابات يُحدد بأربع سنوات، وهنا لابد من أن يصمم البرنامج الحكومي وفقاً لما رسم في الخطط وعليه فإنَّ من المفترض أن تفي الحكومة من باب مسؤوليتها تنفيذ الخطة الخمسية (متوسطة الأجل)، وهنا لابد من عودة للحديث عن أهمية لغة الأرقام، إذ تعد الأرقام الحقيقية الوسيلة الأفضل للبناء والتنمية.
دقة الإحصاءات أساس التخطيط
وعند تقييم النتائج تلاحظ أنَّ هناك خللاً في تنفيذ الخطة سببه الأساس عدم دقة الإحصاءات (الأرقام) لأنَّ أغلب الإحصاءات المتوفرة تقديرية يشوبها خلل ومبالغة في جانب ونقص في جانب آخر. لذلك لم تأت النتائج بالمستوى المطلوب ويشوبها التعثر والخلل ناهيك عن الفساد الذي نشط في ظل غياب الرقابة الصارمة.
وقد أنجزت حكومة السوداني بنجاح مقبول عملية التعداد العام للسكان لعام (2025) ويسجل هذا النجاح لمرحلة وعمر هذه الحكومة والفضل يعود للأجهزة التنفيذية التي تبقى والحكومة تذهب لتأتي غيرها فيُحسب هذا الإنجاز للجهات التنفيذية حتماً.
التخطيط الواقعي ومكافحة الفساد
يأتي هذا الحديث ونحن على أعتاب انتخابات جديدة وحكومة جديدة أيضاً لنضع أمامها الدعوة لأن تبني الخطط بشكل أفضل استناداً إلى الإحصاء (الأرقام الدقيقة) نوعاً ما، والمفترض أن يكون دقيقاً نسبياً هذه المرة لأنَّ احتمالات الأخطاء واردة لكنها طفيفة بعد التعداد طبعاً.
وفي هذه الحالة تقع على عاتق وزارة التخطيط الحالية الكشف عمّا حققته من نتائج التعداد بكل شفافية حيث ستسهم في رسم الخطط الواقعية عن الظواهر الاقتصادية في ما يخص البطالة ونسبة الفقر وحاجة البلد للسكن وغيرها مستقبلاً استناداً إلى نتائج التعداد.
إن اعتماد الحكومة على بيانات دقيقة ومحدثة يساعد في تقليل الهدر المالي ويوجه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر حاجة. كما أن الشفافية في عرض النتائج تزيد من ثقة المواطنين في المؤسسات الحكومية. وتصبح عملية التخطيط أداة حقيقية للتنمية لا مجرد شعارات إدارية.
تعد مراجعة البيانات وتحليلها بعمق خطوة أساسية لتفادي الأخطاء المستقبلية، كما تتيح للحكومة توقع الاحتياجات السكانية والخدمية بدقة أكبر. ويشكل إشراك الخبراء والمختصين في تفسير هذه الأرقام ضمانة لتنفيذ برامج فعالة. وبالتالي يصبح البرنامج الحكومي أداة للتغيير الإيجابي المستدام.
وبذلك يكون البرنامج الحكومي المقبل مبنياً على خطط بأرقام دقيقة وتكون النتائج والحلول قريبة إلى الدقة. وستبقى الأرقام المتحققة من تعداد (2025) الأساس الذي تبنى عليه الخطط المقبلة وتصمم البرامج الحكومية المقبلة في ضوئها.
وبذلك نضمن دقة القرارات والإجراءات والنتائج المرجوّة لبناء بلد عانى الكثير من التراجع شريطة قيام الحكومات المقبلة بتجفيف منابع الفساد كشرط أساسي للنجاح المحسوب وبعكس ذلك تذهب الجهود المبذولة والمليارات التي صرفت على التعداد العام للسكان في مهب الريح وتبقى الأمور كما هي بلا بناء ولا تنمية حقيقية.


