إن انتهاء الوجود العسكري الأميركي وقوات التحالف في العراق رسمياً في 30 أيلول/سبتمبر 2026 لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نهاية ملف أمني فحسب، ولا بوصفه انتصاراً لطرف سياسي على آخر. الأهم أن العراق يدخل بعد هذا التاريخ مرحلة اختبار حقيقية لمعنى السيادة: هل ستتحول السيادة من شعار سياسي إلى قدرة فعلية للدولة على التحكم بالأرض والسلاح والقرار الأمني والمجال الجوي والعلاقات الخارجية؟
الانسحاب لم يكن خلافاً على وجود القوات الأجنبية فقط، بل كان في جوهره خلافاً على تعريف السيادة نفسها، فهناك من يربطها بخروج القوات الأميركية، وهناك من يربطها بحصر السلاح بيد الدولة، وهناك من يوسعها لتشمل القرار الاقتصادي والأمني والمجال الجوي والعلاقة مع إيران وتركيا والولايات المتحدة. والحقيقة أن هذه الرؤى الثلاث لا تتطابق.
أولاً: الانسحاب الأميركي لا يعني تلقائياً اكتمال السيادة
من الناحية السياسية، يمثل خروج آخر القوات الأميركية والتحالفية محطة مهمة في تاريخ العراق الحديث. الحكومة العراقية أعلنت أن 30 أيلول هو الموعد النهائي لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف، وأن الأول من تشرين الأول يمثل بداية مرحلة جديدة من العلاقات الأمنية والسياسية. كما ربطت الحكومة هذه المرحلة بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة. لكن يجب التمييز بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية.
السيادة القانونية تعني أن العراق دولة مستقلة، وأن الحكومة والمؤسسات الدستورية هي صاحبة الاختصاص في اتخاذ القرارات. أما السيادة الفعلية فتعني أن الدولة تستطيع عملياً: فرض القانون على كامل أراضيها، واحتكار استخدام القوة المسلحة، وحماية مجالها الجوي، وضبط حدودها، ومنع أي جهة داخلية من شن عمليات عسكرية خارج قرار الدولة، ومنع أي دولة أجنبية من استخدام الأراضي العراقية ضد دولة أخرى، واتخاذ قراراتها الاقتصادية والأمنية دون إكراه خارجي، وتطبيق القانون على جميع الفاعلين دون استثناء. ومن هنا فإن خروج القوات الأميركية والأجنبية، قد يكون شرطاً من شروط اكتمال السيادة، لكنه ليس السيادة نفسها.
ثانياً: من سيملأ الفراغ؟
هذا هو السؤال المتداول الذي يطرحه البعض في وسائل الاعلام او في الاروقة، ولكن ربما يكون السؤال الأكثر دقة هو: هل تسمح الدولة العراقية أصلاً بوجود فراغ؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن المشكلة ليست في خروج القوات الأميركية، وإنما في ضعف الدولة التي يفترض أن تحل محلها. فالفراغ الأمني لا يُملأ بالضرورة بقوة أجنبية أخرى، ولا بفصيل مسلح، ولا بقوة إقليمية؛ بل يُملأ بمؤسسات الدولة.
وهنا تظهر المعادلة الجديدة: انسحاب القوات الأجنبية، مع احتكار الدولة للسلاح، و وجود جيش قوي، ودفاع جوي، واستخبارات فعالة، وحدود مضبوطة، يؤدي الى سيادة قابلة للحياة.
أما: انسحاب القوات الأجنبية، وبقاء السلاح خارج الدولة، وضعف الدفاع الجوي، وتعدد مراكز القرار، يؤدي الانتقال من نفوذ أجنبي إلى تعدد مراكز النفوذ. وهذه هي النقطة الأكثر حساسية في عراق ما بعد الانسحاب.
ثالثاً: أخطر ما يواجه السيادة العراقية
هناك من يختزل السيادة في العلاقة مع الولايات المتحدة. لكن إذا كان تعريف السيادة هو قدرة الدولة على اتخاذ قرارها بنفسها، فإن السؤال يجب أن يكون أشمل: هل يستطيع العراق أن يقول “لا” لأي طرف خارجي؟ مثل: الولايات المتحدة، وإيران، وتركيا، وأي دولة إقليمية أخرى، أو أي تنظيم مسلح، أو أي قوة سياسية داخلية تمتلك القدرة على فرض أمر واقع. وهذا يجعل السيادة العراقية مشروعاً داخلياً قبل أن تكون مشروعاً مضاداً لدولة أجنبية.
فإذا خرج الأميركي وبقيت طهران قادرة على التأثير في القرار الأمني العراقي، فإن السيادة لم تكتمل. وإذا خرج الأميركي وبقيت أنقرة قادرة على تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي العراقية خارج إطار قرار عراقي كامل، فإن السيادة لا تزال ناقصة.
وإذا خرج الأميركي وبقيت جماعات عراقية تمتلك قرار الحرب والسلم بصورة مستقلة عن الدولة، فإن المشكلة لم تُحل. ولهذا فإن أخطر سؤال بعد 30 أيلول هو: من صاحب القرار الأمني العراقي؟ وليس فقط: أين يوجد الجندي الأميركي؟
رابعاً: السلاح هو الاختبار الحقيقي للسيادة
الحديث عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وهنا ينبغي الفصل بين أمرين:
وجود قوة مسلحة ضمن الدولة ووجود قوة مسلحة مستقلة عن الدولة. الدولة الحديثة يمكن أن تضم الجيش والشرطة وقوات نظامية أخرى، لكن الشرط الأساسي هو أن تكون جميعها خاضعة لسلسلة قيادة قانونية واحدة، وأن يكون قرار استخدامها للقوة قراراً للدولة.
لذلك فإن الانسحاب الأميركي يضع الفصائل أمام سؤال تاريخي أيضاً: إذا انتهت الذريعة الأساسية المرتبطة بالوجود الأميركي، فما المبرر لبقاء السلاح خارج القرار المركزي للدولة؟
الحكومة العراقية نفسها أعلنت أن انتهاء مهمة التحالف ينبغي أن يسرّع عملية وضع الأسلحة تحت سيطرة الدولة، ووصفت المسألة بأنها قضية سيادية عراقية. وهنا تتحول السيادة من خطاب ضد الخارج إلى اختبار في الداخل.
خامساً: كردستان ستكون أحد أهم اختبارات مرحلة ما بعد الانسحاب
المخاوف التي ظهرت في إقليم كردستان على لسان رئيس الحكومة مسرور برزاني ليست مجرد تفصيل هامشي. فالانسحاب يتزامن مع مخاوف تتعلق بثلاثة ملفات: الدفاع الجوي، والتهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة، واحتمال عودة نشاط تنظيم داعش.
وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن منظومات الدفاع الجوي الأميركية في أربيل ستغادر مع اكتمال الانسحاب، ما يثير تساؤلات حول كيفية حماية المجال الجوي العراقي والإقليم تحديداً في المرحلة التالية.
لكن هنا أيضاً يجب عدم الوقوع في خطأ سياسي مهم: الحل ليس أن يبقى العراق معتمداً دائماً على منظومة دفاع أجنبية. الحل هو أن يبني العراق منظومته الوطنية. لان الدفاع الجوي ليس مجرد شراء صواريخ ورادارات، بل يتكون من: رادارات، وقيادة وسيطرة، واتصالات، وكوادر فنية، وصيانة، وتدريب، وقواعد بيانات، وهذا التكامل بين القوات الجوية والدفاع الجوي والاستخبارات، يمثل منظومة الدفاع الوطني، وبالتالي فإن قضية الدفاع الجوي تكشف أحد أوجه الأزمة العراقية الأعمق وهي: أن الدولة التي تريد سيادة كاملة يجب أن تمتلك أدوات حماية هذه السيادة.
سادساً: داعش سيكون اختباراً آخر للدولة
عودة داعش ليست نتيجة حتمية للانسحاب، كما أن وجود القوات الأميركية لم يكن ضماناً مطلقاً لمنع الإرهاب. لكن استمرار خلايا التنظيم، ولا سيما في المناطق ذات الطبيعة الجغرافية المعقدة والفجوات الأمنية، يعني أن العراق يحتاج إلى منظومة أمنية قادرة على العمل من دون الاعتماد على قوة خارجية.
والأهم هنا هو العلاقة بين بغداد وأربيل. فوجود مناطق تماس وفجوات أمنية بين القوات الاتحادية وقوات البيشمركة يخلق ثغرات يمكن أن تستفيد منها التنظيمات المسلحة. ولهذا فإن أحد أهم مشاريع السيادة العراقية بعد الانسحاب يجب أن يكون: إنهاء الجغرافيا الأمنية المزدوجة بين بغداد وأربيل. وهذا ليس بالضرورة عبر إلغاء خصوصية الإقليم، وإنما عبر تنسيق أمني حقيقي يضمن ألا توجد منطقة لا يعرف الطرفان من المسؤول عنها.


