تأخر جداول موازنة 2025 يكشف فشل تجربة الموازنة الثلاثية وخطرها على الاستقرار الوطني العراقي

تأخر جداول موازنة 2025 يكشف فشل تجربة الموازنة الثلاثية وخطرها على الاستقرار الوطني العراقي
أثبتت تجربة الموازنة الثلاثية فشلها الدستوري والاقتصادي، إذ عطّلت الرقابة البرلمانية وأنتجت عجزاً تجاوز ٦٤ تريليون دينار. تغيّر أسعار النفط والتضخم زادا الاختلال، ما يتطلّب العودة إلى الموازنة السنوية الدستورية وإصلاح السياسة المالية لضمان الاستقرار الوطني....

بدعة “الموازنة الثلاثية” وأثرها في شلل المالية العامة

اعتماد ما سُمِّي بـ الموازنة الثلاثية (2023–2025) كان إجراءً استثنائيًا برّرته الحكومة العراقية آنذاك على أنه “لضمان استقرار مالي متوسط الأمد”؛

لكن من الناحية الدستورية والمالية، كان هذا الإجراء بدعة لا سند له في قانون الإدارة المالية رقم 6 لسنة 2019 المعدّل، ولا في الدستور العراقي الذي ينصّ بوضوح على أن الموازنة العامة تُقرّ سنويًا وتُعرض على مجلس النواب كل سنة مالية جديدة للمصادقة والمساءلة.

 المخالفة الدستورية

المادة (62) من الدستور العراقي تنص على أن “مجلس الوزراء يقدّم مشروع قانون الموازنة العامة السنوية، ويعرضه على مجلس النواب لإقراره.”

وبالتالي، فإن اعتماد موازنة تمتد على ثلاث سنوات يتعارض مع روح النص الدستوري الذي يفرض رقابة سنوية على الإيرادات والنفقات.

لقد أدى هذا الإجراء إلى شلل آلية الرقابة التشريعية، إذ أن البرلمان لم يعد يتدخل في كل سنة لتصحيح الانحرافات أو تعديل الإنفاق،

مما جعل الحكومة تعمل ضمن مساحة مالية واسعة بلا رقابة فعلية، معتمدة على “جداول لاحقة” تصدرها وزارة المالية لتوزيع الإنفاق على السنوات الثلاث.

الخطر المالي والاقتصادي في التطبيق

بدل أن تُحقق الموازنة الثلاثية “الاستقرار المالي”، تحوّلت إلى فخ مالي، لأن كل سنة لاحقة تعتمد على تقديرات قديمة لم تتكيّف مع الواقع الاقتصادي المتغير.

ففي سنة 2024، تغيّرت أسعار النفط، والتزامات الرواتب والدعم زادت، والتضخم العالمي أثّر على كلف المشاريع، بينما بقيت الحكومة ملزمة بجداول أُعدت في 2023 على افتراضات لم تعد صحيحة.

  • على سبيل المثال، بُنيت الموازنة الثلاثية على سعر نفط تقديري 70 دولارًا للبرميل، في حين تراجع السعر الفعلي في بعض الأشهر إلى ما دون 65 دولارًا، ما خلق فجوة تمويلية بمليارات الدولارات لم يُعد لها حساب.
  • في الوقت نفسه، ارتفع الإنفاق الجاري بنسبة 22% بين منتصف 2023 ومنتصف 2025، بسبب توسع التعيينات وصرف المخصصات والزيادات في دعم البطاقة التموينية والطاقة، دون تعديل قانوني للموازنة نفسها.
  • وفق تقارير مالية، بلغ العجز التراكمي المقدر للموازنة الثلاثية نحو 64 تريليون دينار عراقي (أكثر من 49 مليار دولار)، ما جعل الحكومة تلجأ إلى الاقتراض الداخلي واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية من البنك المركزي.

أصبح النظام المالي العراقي في وضع “شبه مشلول” — فلا الحكومة تستطيع تعديل الأرقام بسهولة، ولا البرلمان يمكنه التدخل لتصحيحها إلا عبر “جداول إضافية”، التي هي نفسها تتأخر كما في موازنة 2025 الحالية.

ثالثاً: انعكاسات البدعة الثلاثية على الاقتصاد والمجتمع

١. انهيار التخطيط السنوي المرن:

لم تعد الوزارات والمحافظات قادرة على تحديث أولوياتها سنويًا وفق المتغيرات. فمشاريع البنى التحتية بقيت محكومة بخطط 2023 رغم تغير الأسعار والاحتياجات الميدانية.

٢. ضياع الرقابة المالية:

الموازنة الثلاثية جعلت الإنفاق الحكومي خارج الإشراف السنوي للبرلمان، ما فتح الباب أمام الفساد المالي والإداري، خصوصًا في العقود طويلة الأمد، حيث يصعب تتبعها وتقييم جدواها.

 ٣. إرباك المحافظات والقطاع الخاص:

المحافظات تنتظر سنويًا إطلاق تخصيصاتها ضمن الجداول الفرعية التي تصدرها وزارة المالية، لكن تأخر هذه الجداول (كما في 2025) أدى إلى توقف أكثر من 800 مشروع خدمي على مستوى العراق بحسب بيانات هيئة التخطيط.

الشركات والمقاولون بدورهم اضطروا لتجميد أعمالهم أو تسريح العمال، ما رفع معدلات البطالة غير الرسمية إلى قرابة 17% في منتصف 2025.

٤. تأثير مباشر على المواطن

المواطن لم يلمس أي “استقرار مالي” من الموازنة الثلاثية، بل على العكس، واجه تضخمًا وصل إلى 5.8% في منتصف 2025، وانخفاضًا في القوة الشرائية للدينار بنحو 7% مقارنة بـ2023، بينما المشاريع الخدمية في معظم المحافظات لم تتجاوز نسب إنجاز 40% بسبب نقص التمويل.

المسؤولية السياسية والاقتصادية

من الناحية السياسية

تتحمل الحكومة المسؤولية عن اختلاق سابقة مالية من دون توافق تشريعي أو دستوري واضح، ما خلق فراغًا رقابيًا خطيرًا.

ومن الناحية الاقتصادية

فشل النموذج الثلاثي في تحقيق هدفه المعلن بالاستقرار، لأنه تجاهل طبيعة الاقتصاد العراقي الريعي المتقلّب المعتمد على النفط، الذي لا يمكن ضبطه على مدى ثلاث سنوات بثبات الأسعار والعوائد.

النظم المالية الحديثة في الدول النفطية تعتمد عادة موازنات سنة مالية واحدة، مع إطار متوسط الأجل للتخطيط المالي (MTEF) كأداة تقديرية لا تشريعية.

العراق خلط بين الأداة التقديرية (متوسطة الأجل) وبين القانون المالي (الملزم)، فحوّل التخطيط إلى التزام جامد، وفقد القدرة على الاستجابة الاقتصادية السريعة.

ضرورة تصحيح المسار

١. إلغاء فكرة الموازنة الممتدة واعتماد الموازنة السنوية الدستورية، مع تقرير سنوي للموازنة المتوسطة الأجل يُعرض للبرلمان للمصادقة كوثيقة استرشادية فقط.

٢. إعادة بناء هيكل الرقابة البرلمانية على التنفيذ المالي سنويًا، وإلزام الحكومة بتقديم جداول تفصيلية في مواعيدها المحددة.

٣. وضع خطة لإدارة العجز الناتج عن السنوات الثلاث الماضية عبر ترشيد الإنفاق وإعادة هيكلة الدعم.

٤. تقديم كشف شفاف عن أثر الموازنة الثلاثية على الدين العام والالتزامات المستقبلية، تمهيدًا لمراجعة شاملة للسياسة المالية.

يمكن القول إن “الموازنة الثلاثية” كانت بدعة مالية لا دستورية ولا اقتصادية، أضرت بمرونة الدولة المالية، وأفقدت المواطن الثقة بالعملية التخطيطية والرقابية.

بدل أن تكون وسيلة استقرار، أصبحت مصدر اختناق مالي وتشريعي، أدّى إلى تعطيل المشاريع، وتآكل القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات العجز والدين.

إن استمرار تأخر الحكومة في إرسال جداول سنة 2025 هو النتيجة الطبيعية لتلك البدعة، إذ خلقت نظامًا بيروقراطيًا معقّدًا لا يمكنه الاستمرار من دون تصحيح تشريعي واضح.

والحل يبدأ بالعودة إلى المبدأ الدستوري الأصلي للموازنة السنوية، وربط كل سنة مالية بمساءلة فعلية ومراجعة اقتصادية واجتماعية واقعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *