في كل موسم انتخابي، يتردّد السؤال ذاته: من أين تأتي كل هذه الأموال الطائلة التي تُنفق على الحملات؟
إعلانات ضخمة، مواكب، هدايا، عقود وهمية، وشراء ولاءات انتخابية، في بلد يعيش أزمة مالية متواصلة.
الجواب غالبًا واحد: المال السياسي المغسول؛ مزيج من أموال الفساد، المال العام المنهوب، وأحيانًا أموال الجريمة المنظمة.
مكتب مكافحة غسل الأموال. مؤسسة على الورق
قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2015 أنشأ مكتبًا مختصًا داخل البنك المركزي.
مهمته: متابعة حركة الأموال، كشف المصادر المشبوهة، ورفع التقارير للجهات القضائية.
لكن عند وصول موسم الانتخابات، تتحول هذه المؤسسة إلى جهاز صامت؛ تقارير شكلية بلا أثر، لا تجميد لأرصدة، ولا إيقاف لتحويلات مشبوهة، ولا كشف علني لحجم الأموال التي تدخل الحملات.
كيف يُدار تمويل الحملات؟
- أموال نقدية ضخمة تُدخل خارج النظام المصرفي وتوزع مباشرة على المرشحين والوسطاء.
- شركات واجهة وهمية تُسجل تبرعات أو عقود دعاية غير موجودة.
- مكاتب صيرفة وحوالة تنقل مبالغ من الخارج أو من متنفذين محليين دون تسجيل رسمي.
- عقود حكومية ومناقصات تتحول إلى رافعة مالية لمرشحين يسيطرون على وزارات أو محافظات.
- استغلال النفوذ السياسي لفتح حسابات خاصة أو تمرير تحويلات تحت غطاء قانوني.
لماذا يفشل المكتب في كل دورة انتخابية؟
١. نقص الصلاحيات التنفيذية: المكتب يحلل فقط ولا يملك أدوات التجميد أو المنع الفوري.
٢. ضعف التنسيق مع المفوضية العليا للانتخابات: لا توجد قاعدة بيانات مشتركة بين التمويل الانتخابي والرقابة المالية.
٣. التسييس والضغوط: ملفات التمويل تخص عادةً أحزابًا كبيرة ونافذة، ما يجعل تحريكها شبه مستحيل.
٤. غياب الشفافية: لا توجد تقارير علنية تكشف للرأي العام مصادر تمويل الأحزاب وحجم إنفاقها.
كم تبلغ هذه الأموال؟
لا توجد أرقام رسمية. لكن مراقبين اقتصاديين يؤكدون أن بعض الحملات تُنفق ما يعادل ميزانية محافظة صغيرة في بضعة أشهر.
اللافت أن هذا الإنفاق لا يتناسب إطلاقًا مع الدخل الشخصي للمرشحين أو اشتراكات حزبية محدودة، ما يعني أن المال المسروق هو الوقود الأساسي.
ما الذي يجب أن يحدث؟
- صلاحيات حقيقية: تمكين المكتب من تجميد الأموال المشبوهة بشكل عاجل بالتعاون مع القضاء.
- ربط إلكتروني بين المصارف، المفوضية، ودائرة الضرائب لكشف التدفقات المالية للحملات.
- قواعد ملكية حقيقية: كشف أسماء الممولين الفعليين لا الشركات الواجهة.
- شفافية للرأي العام: نشر تقارير دورية عن مصادر التمويل وحجم الأموال المصادرة أو المشتبه بها.
- إرادة سياسية: لأن أي إصلاح بلا إرادة حقيقية سيبقى حبرًا على ورق.
المال السياسي يهزم الديمقراطية
إذا ظل مكتب مكافحة غسل الأموال مجرد ديكور قانوني، سيبقى المال السياسي يغسل نفسه عبر الحملات الانتخابية، ليغسل معها آمال الناخبين بديمقراطية حقيقية.
المطلوب ليس فقط قوانين، بل إرادة تكسر الحلقة المفرغة: فساد يمول انتخابات، انتخابات تنتج فاسدين، والفاسدون يحمون المال المغسول.


