تمثل الحرب الأمريكية ـ الإيرانية تحدياً استراتيجياً بالغ الخطورة للعراق، نظراً لموقعه الجغرافي بين ساحات التوتر، واعتماده المرتفع على الإيرادات النفطية، وارتباط قطاع الطاقة والتجارة الخارجية فيه بالبيئة الإقليمية. ورغم أن العراق ليس طرفاً مباشراً في الحرب، فإن طبيعة اقتصاده وموقعه الجغرافي يجعلان من الصعب عزله عن تداعياتها، التي تنتقل بصورة مباشرة إلى الاستقرار السياسي والمالي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
أولاً: التداعيات السياسية والأمنية
تضع الحرب العراق أمام معادلة دقيقة تتمثل في الحفاظ على علاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه إدارة شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية والجغرافية مع إيران. كما أن وجود فصائل مسلحة ذات ارتباطات إقليمية يزيد من احتمالية تعرض الأراضي العراقية لتبادل الضربات أو استخدامها ساحةً لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة.
ولا تقتصر المخاطر على الضربات العسكرية المباشرة، بل تشمل اضطراب الحدود والتجارة والطاقة وحركة الملاحة والاستثمار. وما يجري في مضيق هرمز يقدم مثالاً واضحاً على أن العراق قد يتحمل خسائر اقتصادية هائلة حتى من دون أن يشارك عسكرياً في الحرب.
ومن ثم، فإن أبرز متطلبات المرحلة يتمثل في حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وتعزيز سيادة القانون، ومنع استخدام الأراضي العراقية منصةً لاستهداف أي طرف إقليمي أو دولي. فسيادة الدولة هنا لم تعد مفهوماً سياسياً مجرداً، وإنما أصبحت شرطاً لحماية الاقتصاد والموازنة والمواطن.
ثانياً: التداعيات المالية والاقتصادية
تكمن أكبر نقاط ضعف الاقتصاد العراقي في اعتماده الشديد على النفط. فقد أشار صندوق النقد الدولي قبل اندلاع الحرب إلى أن الإيرادات النفطية ستظل تشكل أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية حتى عام 2030 في ظل استمرار الهيكل المالي الحالي. كما أن الرواتب والتقاعد وحدهما كانت مرشحة لبلوغ نحو 24.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، وهو ما يعكس درجة عالية من صلابة الإنفاق الحكومي وصعوبة تخفيضه عند حدوث صدمة في الإيرادات.
وقد بدأت هذه الهشاشة تظهر بوضوح خلال 2026. فبحسب بيانات وزارة المالية، بلغت الإيرادات الاتحادية خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام نحو 31.16 تريليون دينار، مقابل نفقات بلغت 37.84 تريليون دينار، أي بعجز فعلي قدره نحو 6.67 تريليون دينار. وبلغت الإيرادات النفطية وحدها نحو 26.12 تريليون دينار، أي قرابة 84% من إجمالي الإيرادات خلال هذه الفترة، رغم الاضطراب الكبير الذي أصاب التصدير.
وتتضح خطورة الاعتماد على منفذ تصديري واحد عند النظر إلى ما حدث في مضيق هرمز. فالعراق كان يصدر قبل الحرب نحو 93 مليون برميل شهرياً عبر المضيق، لكن صادراته عبر هذا الطريق انخفضت في أبريل/نيسان 2026 إلى نحو 10 ملايين برميل فقط. وفي مارس/آذار لم تتجاوز إجمالي صادرات النفط العراقية 18.6 مليون برميل، بإيرادات تقارب 1.96 مليار دولار.
ومع استمرار مثل هذا الاضطراب، تتقلص التدفقات المالية بالعملة الأجنبية، وترتفع الحاجة إلى الاقتراض أو السحب من الاحتياطيات أو تأجيل الإنفاق الاستثماري. وهنا يمكن أن تتحول الموازنة تدريجياً من أداة للتنمية وإعادة الإعمار إلى أداة لتأمين الرواتب والنفقات التشغيلية وإدارة الأزمة.
ثالثاً: الطاقة والكهرباء
يمثل الارتباط بالطاقة الإيرانية أحد أبرز مواطن الضعف الاستراتيجي، وإن تغيرت طبيعته خلال السنوات الأخيرة. فمنذ إلغاء الولايات المتحدة في مارس/آذار 2025 الإعفاء الذي كان يسمح للعراق باستيراد الكهرباء مباشرة من إيران، أصبح الغاز الإيراني المستخدم في محطات التوليد أكثر أهمية من واردات الكهرباء المباشرة.
وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الغاز المستورد من إيران كان يوفر الوقود اللازم لإنتاج أكثر من 30% من الكهرباء العراقية، بينما كانت القدرة المتاحة لتوليد الكهرباء في العراق عام 2024 تقارب 25 غيغاواط فقط مقابل طلب صيفي يصل إلى نحو 48 غيغاواط؛ أي أن فجوة العرض كانت موجودة أساساً حتى قبل الحرب.
وتؤكد بيانات البنك الدولي حجم المشكلة؛ فقد استورد العراق نحو 9 مليارات متر مكعب من الغاز الإيراني في 2024، انخفضت إلى نحو 6 مليارات متر مكعب في 2025، ثم تراجعت الواردات خلال 2026 بنحو 70% نتيجة التطورات الإقليمية. وفي إحدى حالات توقف الإمدادات في نهاية 2025، قدرت وزارة الكهرباء العراقية خسارة المنظومة بنحو 4,000–4,500 ميغاواط من القدرة التوليدية.
لذلك فإن الإسراع في استثمار الغاز المصاحب لم يعد خياراً فنياً فحسب، بل قضية أمن قومي. وينبغي بالتوازي تطوير حقول الغاز المحلية، وتسريع الربط الكهربائي مع دول الخليج والأردن وتركيا، والتوسع في الطاقة الشمسية، بحيث لا تبقى الكهرباء العراقية رهينة مورد خارجي واحد.
رابعاً: التداعيات الاجتماعية
ينتقل أثر الحرب من الموازنة والطاقة بسرعة إلى الأسرة العراقية عبر أسعار النقل والغذاء والكهرباء والسلع المستوردة وفرص العمل. وتزداد خطورة هذا الانتقال لأن الاقتصاد العراقي يدخل الأزمة وهو يعاني أصلاً مستويات مرتفعة من البطالة والفقر.
وأظهرت نتائج المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة الذي أعلنته وزارة التخطيط أن معدل الفقر بلغ 17.5% في 2024، بينما بلغ معدل البطالة نحو 13.5% وفق البيانات الرسمية. كما تخفي المعدلات الوطنية تفاوتات كبيرة؛ إذ بلغ الفقر في محافظة المثنى 43.6%، وفي بابل 34.4%، وفي الديوانية 28.9%، وفي البصرة المنتجة للجزء الأكبر من نفط العراق 27.9%.
وعندما تتزامن البطالة والفقر مع ارتفاع الأسعار وتراجع الاستثمار واضطراب الكهرباء، ترتفع احتمالات الاحتقان والاحتجاج وتراجع الثقة بالمؤسسات. لذلك ينبغي أن تركز السياسة المالية خلال الأزمة على حماية الفئات الأكثر هشاشة، وضمان استمرارية الرواتب وشبكات الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية، مع تجنب تحميل محدودي الدخل القسم الأكبر من إجراءات التقشف.
خامساً: الأمن الغذائي
لا يزال العراق يعتمد بدرجات متفاوتة على الأسواق الخارجية لتغطية جزء من احتياجاته الغذائية، وهو ما يجعله معرضاً لارتفاع أسعار الشحن والطاقة والأسمدة واضطراب طرق التجارة.
وتقدر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO احتياجات العراق من استيراد القمح في الموسم التسويقي 2025/2026 بنحو 2.4 مليون طن، أي أعلى بنحو 8% من متوسط السنوات الخمس السابقة، فيما يتوقع أن تبلغ واردات الحبوب بمختلف أنواعها قرابة 5.5 ملايين طن.
وإذا طال أمد الحرب وارتفعت كلفة النقل والتأمين والطاقة، فقد تنتقل هذه الزيادات إلى أسعار الغذاء المحلية. ومن هنا تبرز أهمية دعم الإنتاج الزراعي، ورفع كفاءة الري، وتأمين الأسمدة والبذور، والمحافظة على مخزونات استراتيجية كافية من القمح والأرز والمواد الأساسية، بحيث لا يتحول اضطراب الممرات البحرية إلى أزمة غذائية داخلية.
سادساً: التداعيات البيئية
تضيف الحرب عبئاً جديداً إلى بيئة عراقية تعاني أصلاً من ضغوط استثنائية. فأي استهداف للمنشآت النفطية أو خطوط الأنابيب والمخازن يمكن أن يؤدي إلى تسربات نفطية وتلوث الهواء والمياه والتربة، فضلاً عن الانبعاثات الناجمة عن الحرائق والعمليات العسكرية.
والعراق يعاني أساساً من التصحر وشح المياه وتملح الأراضي والعواصف الترابية والتلوث الصناعي. وتفيد وكالة الطاقة الدولية بأن عدد الأيام المغبرة في العراق ارتفع من نحو 243 يوماً إلى 272 يوماً سنوياً خلال العقدين الماضيين، وقد يصل إلى قرابة 300 يوم سنوياً بحلول 2050 إذا استمرت الاتجاهات المناخية الحالية.
وتبرز مفارقة أخرى في قطاع الغاز؛ فالعراق ما زال من بين أكبر دول العالم في حرق الغاز المصاحب، في الوقت الذي يحتاج فيه إلى استيراد الغاز لتشغيل الكهرباء. ويضع البنك الدولي العراق ضمن الدول التسع المسؤولة عن 83% من إجمالي حرق الغاز عالمياً في 2025. وهذه المفارقة تجعل استثمار الغاز المصاحب مشروعاً اقتصادياً وبيئياً وأمنياً في الوقت نفسه.
الخلاصة
بالنتيجة، تكشف الحرب الأمريكية ـ الإيرانية هشاشة النموذج الاقتصادي العراقي القائم على الاعتماد المرتفع على النفط والإنفاق التشغيلي ومسارات تصدير وطاقة معرضة للصدمات الخارجية.
ولذلك فإن الاستجابة العراقية لا ينبغي أن تقتصر على إدارة الأزمة الحالية، بل يجب أن تتحول إلى مشروع إصلاح وطني طويل الأمد يقوم على تنويع مصادر الإيرادات، واستثمار الغاز وإيقاف حرقه، وتطوير الزراعة والصناعة، وحماية الاحتياطيات النقدية، وضبط الاقتراض والدين العام، وتطوير الطاقة البديلة، وتعزيز الأمن الغذائي، وحماية البيئة، وتنويع منافذ تصدير النفط، وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة.
إن الخطر الأكبر على العراق ليس الحرب وحدها، بل استمرار النموذج الاقتصادي الذي يجعل أزمة تقع خارج حدوده تتحول خلال أسابيع إلى أزمة في الموازنة والكهرباء والغذاء وفرص العمل.
ومن هنا فإن تنويع الاقتصاد، وتحقيق أمن الطاقة، وتعزيز سيادة الدولة لم تعد خيارات إصلاحية قابلة للتأجيل، بل أصبحت ركائز مباشرة للأمن الوطني العراقي.


