الغُربةُ… حينَ تصبحُ طريقًا إلى المعرفةِ

الغُربةُ... حينَ تصبحُ طريقًا إلى المعرفةِ
يتأمل النص الغربة بوصفها طريقاً إلى معرفة النفس والقرب من الله، ثم يروي قصة أزهار وعامر اللذين واجها مرض السرطان بالإيمان والدعاء عند الإمام الحسين، لتتجدد حياتهما بالأمل والعهد على تربية أبناء صالحين...

ليست الغربةُ دائمًا ابتعادًا عن وطنٍ أو مكان، فقد يعيش الإنسان بين أهله وأصدقائه، ويمارس تفاصيل حياته اليومية، ومع ذلك يشعر أن شيئًا في داخله لا ينتمي تمامًا إلى ما يحيط به. يحمل أسئلةً لا يجد لها صدى، ويتطلع إلى معنى لا تمنحه إياه الإجابات الجاهزة. ومن هنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: لماذا يضع الله الغربةَ في طريق بعض الناس؟ حين نتأمل الوجود نجد أن كثيرًا من معانيه تتكشف عبر الأضداد. نعرف النور لأننا عرفنا الظلمة، ونفهم الحضور لأننا اختبرنا الغياب، وندرك قيمة الألفة حين نذوق شيئًا من الوحشة. لذلك لا تبدو الغربة خللًا في نظام الحياة، كما أنها ليست بالضرورة عقوبةً أو فضيلةً في ذاتها، وإنما تجربة تتحدد قيمتها بما تصنعه في الإنسان. فالإنسان الذي ينسجم تمامًا مع المألوف قد لا يجد سببًا يدفعه إلى السؤال. أما الذي تسكنه غربة داخلية، فقد يبدأ بالنظر إلى الأشياء بطريقة مختلفة. لا يعود مكتفيًا بما اعتاده الآخرون، بل يبحث عمّا وراء الظاهر، ويسأل عن المعنى والغاية وموقعه في هذا الوجود. وهنا يمكن أن تتحول الغربة إلى إحدى وسائل التربية الروحية. فهي لا تمنح الإنسان المعرفة جاهزةً، لكنها تدفعه إلى طلبها، ولا تقدم له الحقيقة مكتملةً، لكنها توقظ فيه الحاجة إليها. وكثيرًا ما تكون الأسئلة التي تؤرق الإنسان أعمق أثرًا في تكوين وعيه من الأجوبة التي تمنحه الطمأنينة المؤقتة. يقول الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. فالإنسان مدعو إلى قراءة العالم وقراءة نفسه معًا. وقد تكون الغربة إحدى اللحظات التي تجبره على العودة إلى داخله، ليتأمل أسئلته وقلقه وتوقه إلى الحقيقة. وتزداد المفارقة عمقًا في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. فقد يشعر الإنسان بأنه بعيد ووحيد، بينما يكون الله أقرب إليه من كل ما يحيط به. وربما تصبح الغربة عندئذٍ دعوةً لاكتشاف هذا القرب الذي حجبتْه ضوضاء الحياة واعتياد الأشياء. وفي الموروث الروحي الإسلامي ارتبطت معرفة الإنسان بنفسه بمعرفته لموقعه في الوجود. وتعبّر الحكمة المنسوبة إلى الإمام علي عليه السلام: «رحم الله امرأً عرف من أين، وفي أين، وإلى أين» عن الأسئلة الكبرى التي ترافق الإنسان في رحلة البحث عن المعنى: من أين جاء؟ وأين يقف؟ وإلى أين يمضي؟ هذه الأسئلة لم تكن حكرًا على تجربة روحية أو ثقافة بعينها. ففي التصوف نجد عند جلال الدين الرومي وابن عربي صورًا متعددة لحنين الروح وبحثها عن المعنى. ليست الغربة هنا رفضًا للناس أو هروبًا من العالم، وإنما شعور بأن وراء اليومي والمألوف أفقًا أوسع ينبغي اكتشافه. وفي الفكر الإنساني نجد المعنى نفسه بصور مختلفة. جعل سقراط معرفة النفس مدخلًا إلى الحكمة، ورأى كيركغارد في القلق الوجودي مجالًا يواجه فيه الإنسان ذاته واختياراته، بينما جعل كارل يونغ مواجهة أعماق النفس جزءًا أساسيًا من رحلة النضج والتكامل. وعلى اختلاف المرجعيات، تلتقي هذه الرؤى عند حقيقة مهمة: بعض أنواع الغربة ليست نهاية الطريق، وإنما بدايته. ومن هنا أرى أن الغربة ليست دائمًا علامةً على أن الإنسان فقد شيئًا، فقد تكون إشارةً إلى أنه مدعو لاكتشاف شيء جديد. فالمعرفة لا تنمو دائمًا في مناطق الراحة. هناك أسئلة لا تولد إلا من القلق، وأبواب لا تُفتح إلا بالبحث، وحقائق لا ندرك قيمتها إلا حين نشعر أن المألوف وحده لم يعد كافيًا لتفسير ما يجري في أعماقنا. لذلك لا أرى الغربة نقيضًا للألفة، بل قد تكون طريقًا إليها، ولا أراها بالضرورة ابتعادًا عن الله، بل ربما أصبحت حركةً نحوه. فكلما اغترب الإنسان عن الزائف والعابر، ازداد بحثه عن الحقيقي والباقي. لكن القيمة الأعمق لهذه الرحلة تظهر حين لا تجعل الغربة الإنسان منغلقًا على ذاته، بل تعيده إلى الآخرين أكثر رحمةً وفهمًا. فالذي عرف الوحشة يستطيع أن يفهم وحشة الآخرين، والذي اختبر السؤال يصبح أقل استعجالًا في الحكم على أسئلتهم. وعندها يكتشف الإنسان أن الغربة لم تكن سجنًا، بل بابًا، وأنها لم تكن انسحابًا من العالم، بل رحلةً في أعماق الذات تنتهي، في أجمل صورها، بالعودة إلى الله والإنسان بوعيٍ أكثر صفاءً ورحمةً.

قال عامر: “فلنرجع” كانت نفوسنا متعبةً ومحزونة، تقف على شعور وداعٍ دائم، مما سبب لنا الكثير من الألم، إلا أن طمأنينةً وسكينةً قد نزلت عليّ! نمنا تلك الليلة بعمق، ولم نستيقظ حتى أذان الفجر، كانت أول ليلةٍ بعد مرضي أنام فيها هكذا، أحسست براحةٍ كبيرة.  قلت لعامر: “أنا هكذا أحس، وهكذا نمت بعمق”  قال عامر: “أم عباس، الإمام الحسين سفينة النجاة، فكيف لا ينقذنا ونحن استجرنا به، ولُذنا بحرمه!” كان يوم الأحد موعد المراجعة، العيادة كئيبة، لا يوجد فيها شيء يدعو للأمل، ولا توجد نوافذ للتهوية، ممرٌّ طويلٌ تتراصف عليه الآلام. وصل دورنا، وأُعيدت الفحوصات المختبرية وبعض الأشعة، منها الـ PET Scan، ورغم طول الفحوصات، كنت أنظر بأملٍ كبير وراحةٍ جديدة، حيث كان عباس وزينب يُسلّياني كثيراً. وبعد أسبوع، خرجت النتائج: كانت ممتازة جداً! وتعلن عن شفاءٍ متقدم. كانت الفرحةُ كبيرة، سجد عامر لله شكراً، وسجدتُ أنا.  سلمنا على الإمام الحسين (عليه السلام) وشكرناه على فضله واستجابة طلبنا. عادت الحياة إلى بيتنا من جديد، وعاد لي عامر وعباس وزينب.  عاهدتُ نفسي أن أُعدّ أطفالي كما يريد الله (تعالى) وأهل البيت (عليهم السلام) كل الصفات النبيلة والأخلاق السامية أغرسها فيهم، هذا هو مشروعي في الحياة.  زينب ستكون أمّاً وتكمل دوري، وكذلك عباس، إذ لا بد أن يأتي يومٌ وتغرب شمسنا، ويبقى الأثر.  وضعتُ يدي بيد عامر، وسرنا في هذا الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *