الباب الأخير

الباب الأخير
يروي النص قصة حب وزواج هادئ بين أزهار وعامر، تنقلب إلى محنة بعد إصابتها بالسرطان. وفي ذروة الألم يتوجهان إلى كربلاء، متوسلين إلى الله عند مرقد الإمام الحسين، راجين الشفاء والعودة إلى أسرتهما بالأمل والإيمان....

عُقد قراننا في الربيع، على نسمات السعادة التي تبث الفرح أينما حلّت.  كان يوماً مليئاً بالسعادة والخجل بالنسبة إليّ، دقات قلبي تزداد مع اقتراب وقت اللقاء، وحُمرة وجنتيّ لا يخفيها حتى إطراق رأسي.  جاء خطيبي عامر بباقة وردٍ أحمر، وابتسامته الساحرة تنفذ إلى أعماق القلب، ربما كانت ابتسامةً طبيعية، لكنها خلّفت في قلبي أثراً لأنها ابتسامة عامر.  ردّدت نشيد العقد: “زوجتك نفسي على مهرٍ قدره الوُد”  تم العقد وأنا لم أرفع رأسي، واكتفيت بسماع صوته الجميل. غادر جميع من في الغرفة، ليبقى عامر وأنا فقط، نادى باسمي، لكنني لأول مرة أسمع اسمي بهذا الجمال: “أزهار… أزهار”  رفعت رأسي إليه، وقلت: نعم.  مدّ يده ليصافحني، لكن الخجل كبّل يدي فلم أسلم عليه، أمسك يدي بلطف وقال: “أنتِ حلالي” كلمةٌ لا يزال صداها يُسعد قلبي. عامر هو تكملة حياتي، وبداية عائلتي، كنا ننشد أن ننسج عائلةً لا تهزها ريح، وأطفالاً هم مشروع العمر، ومصدر السمو، فهم عملنا الذي سيستمر في الحياة، وينتقل ما زرعناه فيهم إلى الأجيال من أبنائهم. هكذا كنا نفكر، كان سنداً لي، وكنت خير حافظةٍ له، نحن لا نتقاسم الحياة، إنما كل واحدٍ منا يُكمل الآخر، وحين يعجز طرفٌ عن أداء واجبه، يُكمله جزؤه الآخر، والنوايا الحسنة دائماً تخضع إلى اختبار، وربما يكون على قدر نقائها وإيمانها. بيتنا متواضع، لكنني أراه فخماً بوجود عامر، ويعود إلى تواضعه عندما يخرج منه. هكذا كنا، ولكن لا بد للشمس أن تُشرق على أحلامنا وإيماننا، حتى نغرسها في الأرض. وُلد عباس وزينب، وكانا هبة الله العظيم لنا، كانت سعادة عامر بهما كبيرة، نلعب معهما، ونأنس حين يأكلان، كانا لوحةً من الجمال تشرح قلبي مهما كان متعباً. في ليلةٍ باردة، والناس يلبسون المعاطف من شدة البرد ويوقدون المدافئ، إلا أنني كنت في غاية الحرارة! نارٌ تشتعل في صدري، وقفتُ وقتاً طويلاً في باحة المنزل أستنشق الهواء، وكأني في شهر آب، والحرارة تغزو صدري. جاء عامر متأخراً وسأل عن حالي، قال: “ربما حمّى، خذي قرص أسبرين” قلت له: “قد أخذتُ واغتسلتُ، لكنني أشعر بحرارةٍ مستمرة” أخذني إلى المستشفى في منتصف تلك الليلة، وبعد شرح حالتي للطبيب المقيم، وإجراء بعض الفحوصات، تردّد في إعطاء التشخيص، ثم اتصل بالطبيب الاختصاصي، طال الاتصال وأنا أنظر إلى عامر، كم هو متعبٌ من عمل اليوم. طلب منا العودة إلى البيت، وأن نعود غداً إلى المستشفى لإجراء فحوصات أخرى، وفي اليوم التالي، أبلغنا الطبيب أنني مصابةٌ بالسرطان! كان خبر إصابتي شبيهاً بوقت الغروب؛ ثم كل شيء بدا معتماً، صُدم عامر وبدا منهكاً من مسيرةٍ متعبة. بدأت خطواتي تقصر، وأحلامي تبتعد، ويداي لم تعودا تستطيعان حمل زينب وعباس.  ذهبنا إلى مركز السرطان، المرضى هناك بحالاتٍ متعبة، وجوهٌ مصفرة، وأجسامٌ نحيلة، وخيط الأمل رفيع. حدد لنا الطبيب دورة علاجٍ كيميائي، كانت الجرعة الأولى قاسيةً جداً، لكن لم يكن أمامنا طريقٌ إلا الصبر، والأمل بالله العظيم، وبعد أن أُكمل دورة العلاج، سيتم إعادة تقييم حالتي من قبل الطبيب. طلبتُ من عامر أن نزور كربلاء في ليلة الجمعة، ربما يكون هذا هو الطلب الأخير.  ونحن ذاهبون إلى كربلاء، قلت لعامر: “هل نحصل على حاجتنا؟”  قال عامر: “الله جل جلاله يقول: ادعوني أستجب لكم، سندعوه في حرم الإمام الحسين، والليلة جمعة، وبقلبٍ ناطقٍ بتوحيده صادقاً، إن شاء الله ستشملنا رحمة الله تعالى” كنتُ متعبةً لا أستطيع حتى المشي، وعامر يدفعني بكرسي متحرك، قلت لعامر: “لندخل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) من باب الرجاء، فنحن نرجو من الله تعالى أن يشفيني بحق سيد الشهداء”  بدأت أقرأ دعاء التوسل وأنا عند باب الرجاء، لم أقرأ سوى: “إنا توجهنا واستشفعنا وتوسلنا بك إلى الله…”، وتكفلت دموعي بالبقية. يدفعني عامر وأنا أقول: “يا رحمة الله الواسعة يا أبا عبد الله، رُدّني لأطفالي وزوجي، رُدّني لأُعدّ لكم جنوداً أوفياء، رُدّني لأُعدّ لك سهماً من الوعي والبصيرة من أبنائي”  هذا ما تلفظت به فقط، وأكملتْ البقية دموعي التي غسلت وجهي الشاحب. جلسنا في رواقٍ قريبٍ من شباك الإمام، بدأ عامر يستغفر الله تعالى طويلاً، حتى دار المسبحة عدة مرات، ثم أخذ يصلي على محمد وآل محمد، وهو يسند رأسه على أحد جدران الحرم، وعينه على الضريح، بدأ يدعو للمؤمنين كلٌ حسب حاجته، وبالأخص المرضى، عدّد حتى المرضى الذين تعرّفنا عليهم في المركز، ثم فتح محفظته التي بدت خاويةً مثلي، وتصدق، ثم دعا الله سبحانه وتعالى متوسلاً بالإمام الحسين (عليه السلام)   قال بصوتٍ ملهوف: “ليس لنا أحدٌ غيركم يا أبا عبد الله، وأنت أعلم بالحال”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *