المقدمة
منذ عام 2020 وأنا ابحث في مشروعٍ متكامل للطاقة حتى انتهى بي المطاف إلى كتابة دراسة كاملة مؤلفة من (112 صفحة) أرسلت نسخة منها الى السيد رئيس مجلس الوزراء (باليد) عن طريق السيد النائب فالح الخزعلي بتاريخ (1/8/2026) وكذلك نسخة أخرى للسيد وزير النقل ، هذا المشروع يعد قفزة نوعية في مجال الطاقة المتجددة في العراق ، إذا يمثل ميناء الفاو الكبير فيه الفرصة الإستراتيجية لإعادة صياغة الدور الاقتصادي لمحافظة البصرة والعراق عموماً ليس باعتباره مشروعاً للنقل البحري فحسب ، وإنما بوصفه نواة لمنطقة اقتصادية وصناعية متكاملة ، وتقوم الرؤية المقترحة على إنشاء منظومة مترابطة تتكون من (محطة للطاقة الشمسية الحرارية المركزة CSP ، ومحطة لتحلية مياه البحر ، ومحطة لاسترداد الموارد من مياه الصرف الصحي ، ومجمع كيميائي وصناعات تحويلية) ضمن كيان اقتصادي واحد يخدم (الميناء والمنطقة الاقتصادية الحرة والمناطق الصناعية المستقبلية حتى عام 2050) كحدٍ أقل ، وتكمن قوة هذه الرؤية في أن كل مشروع لا يعمل بمعزل عن الآخر ، بل تتحول مخرجات أحدها إلى مدخلات لمشروع آخر وبما يعظم القيمة الاقتصادية للموارد ويخفض الهدر والتكاليف والانبعاثات .
المحور الأول : محطة الطاقة الشمسية الحرارية المركزة CSP:
تشكل محطة الطاقة الشمسية الحرارية المركزة النواة الأساسية للمجمع المقترح لأنها توفر الطاقة التي تحتاجها بقية المشاريع ، وتختلف أهميتها عن محطة توليد كهرباء تقليدية في أنها تعتمد على (الإشعاع الشمسي المباشر) مع (إمكانية تخزين الطاقة الحرارية) باستخدام (الأملاح المنصهرة) بما يسمح بإنتاج الكهرباء خلال ساعات المساء والطلب المرتفع .
وتقترح الدراسة البدء بقدرة (MW 100 قابلة للتوسع إلى MW 500) مستقبلاً لتغذية (ميناء الفاو والمنطقة الاقتصادية والمنطقة الصناعية ومحطة التحلية ومحطة استرداد الموارد والمجمع الكيميائي) وبذلك تصبح المحطة أكثر من مشروع لتوليد الكهرباء ، إذ إنها تعد مصدراً (للطاقة الكهربائية والحرارية والبخار الصناعي) وقاعدة لتوسيع النشاط الصناعي في المنطقة.
وتزداد القيمة الاقتصادية للمحطة عندما ترتبط مباشرة بالمشاريع الأخرى (فالكهرباء تشغل محطات التحلية والمعالجة والمصانع) بينما يمكن الاستفادة من (الطاقة الحرارية) في بعض التطبيقات الصناعية ، كما يؤدي الاعتماد على الطاقة الشمسية إلى خفض استهلاك (الوقود الأحفوري وتقليل الانبعاثات ودعم أمن الطاقة) ويمنح المنطقة الصناعية ميزة تنافسية في استقطاب الاستثمارات التي تبحث عن مصادر طاقة مستقرة ونظيفة.
المحور الثاني: محطة تحلية مياه البحر
لا يمكن لأي منطقة اقتصادية وصناعية كبرى أن تنمو دون مصدر مضمون ومستدام للمياه ، ولهذا تمثل محطة تحلية مياه البحر الركيزة الثانية للمجمع خصوصاً مع التوسع المتوقع في ميناء الفاو والمنطقة الاقتصادية والمنشآت الصناعية والسكنية .
تقترح الدراسة إنشاء محطة بطاقة أولية تبلغ (250 ألف متر مكعب يومياً) بالتزامن مع انشاء محطة (MW 100) للكهرباء مع إمكانية التوسع وفق نمو الطلب على المياه ، ولا تقتصر أهمية المياه المنتجة على الاستخدامات البشرية فقط ، بل تشمل الاستخدامات الصناعية وأعمال التبريد والتنظيف والخدمات المينائية والعمليات الكيميائية .
وتتمثل الميزة الأساسية في دمج (التحلية مع منظومة CSP) بحيث تصبح الطاقة اللازمة لإنتاج المياه متاحة محلياً الأمر الذي يعزز أمن المياه ويقلل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية ، كما يمكن التعامل مع (المحلول الملحي) الناتج عن التحلية بوصفه (مورداً اقتصادياً) قابلاً للاستثمار بدلاً من اعتباره مجرد (نفاية) من خلال استخلاص الأملاح والمعادن ذات القيمة الصناعية عندما تسمح الجدوى الاقتصادية بذلك.
وبهذا تتحول المياه من قيد يحد من التوسع الصناعي في المنطقة إلى (عامل جذب للاستثمار) لأن المستثمر يستطيع الحصول على مصدر مستقر للمياه والطاقة والخدمات الأساسية ضمن منطقة واحدة.
المحور الثالث: محطة استرداد الموارد من مياه الصرف الصحي:
يمثل هذا المشروع أحد أكثر عناصر المنظومة ابتكاراً من الناحية الاقتصادية والبيئية ، فبدلاً من النظر إلى (مياه الصرف الصحي) على أنها مخلفات يجب التخلص منها تقوم الفكرة على تحويلها إلى مصدر للمياه والطاقة والأسمدة والمواد الأولية.
تستقبل المحطة مياه الصرف المنزلية والصناعية ومياه الميناء والمنطقة الاقتصادية ثم تخضعها لمعالجات متعددة تتيح إنتاج (المياه الصناعية المعالجة) واستخلاص (الغاز الحيوي) واسترداد (الفوسفور والنيتروجين والأملاح) إضافة إلى معالجة الحمأة.
وتقترح الدراسة التوسع تدريجياً من (250 ألف متر مكعب يومياً حتى عام 2035 إلى 500 ألف متر مكعب خلال 2035–2045 ، ثم 750 ألف متر مكعب يومياً بحلول 2050) ويعني ذلك إنشاء منظومة واسعة للاقتصاد الدائري تستطيع توفير (المياه الصناعية للمصانع والميناء) وتقليل الضغط على المياه العذبة وإنتاج الغاز الحيوي والطاقة وتحويل المواد المستردة إلى أسمدة ومواد كيميائية.
والقيمة الحقيقية للمشروع هي أنه يجمع بين (العائد الاقتصادي والحل البيئي) فكل متر مكعب من المياه يعاد استخدامه يمثل (مورداً مائياً جديداً) وكل (طن من المواد المستردة) يمثل (منتجاً يمكن تسويقه) وكل (كمية من الغاز الحيوي) تمثل (طاقة يمكن استخدامها داخل المنظومة).
*ملاحظة: الحمأة (Sludge) : هي المادة شبه الصلبة التي تنتج في محطات معالجة مياه الصرف الصحي نتيجة ترسيب المواد العضوية وغير العضوية وإزالة الملوثات من المياه وتتكون من التالي :
1- المواد العضوية القابلة للتحلل.
2- البكتيريا والكائنات الدقيقة.
3- بقايا النباتات والمواد الصلبة العالقة.
4- كميات من الفوسفور والنيتروجين والعناصر المعدنية.
المحور الرابع: المجمع الكيميائي والصناعات التحويلية
يمثل المجمع الكيميائي المرحلة التي تنتقل فيها المنظومة من إنتاج الطاقة والمياه والمواد الأولية إلى (إنتاج القيمة المضافة) ويقترح أن يضم صناعات مثل (الكلور والصودا الكاوية والميثانول والأمونيا والأسمدة والهيدروجين والمواد المستخدمة في معالجة المياه) إلى جانب (الغازات الصناعية) وغيرها من المنتجات التي يحتاج إليها السوق المحلي ويمكن تصدير الفائض منها عبر ميناء الفاو.
وتكمن أهمية المجمع في تقليل اعتماد العراق على استيراد (المواد الكيميائية والأسمدة والمنتجات الصناعية) وفي الوقت نفسه إنشاء قاعدة تصديرية جديدة ، كما يمكن أن تستفيد الصناعات الكيميائية من (الأملاح والمواد المستردة) من محطات التحلية ومعالجة مياه الصرف ومن الطاقة والمياه المنتجة داخل المجمع.
وبذلك تنشأ (سلسلة إنتاج متكاملة) تبدأ (بالطاقة الشمسية ، ثم المياه ، ثم استرداد الموارد ، ثم تحويل هذه الموارد إلى مواد كيميائية ومنتجات صناعية) ثم نقلها إلى (الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية) عبر ميناء الفاو وهذا هو جوهر الاقتصاد الدائري الذي تسعى الدراسة إلى تأسيسه في المنطقة.
المحور الخامس: النموذج الاقتصادي والتمويلي للمشروع
تقوم الجدوى الاقتصادية للمجمع على تعدد مصادر الإيرادات وعدم الاعتماد على منتج واحد وتشمل الإيرادات بيع (الكهرباء والمياه المحلاة والمياه الصناعية المعالجة والغاز الحيوي والأسمدة والغازات الصناعية والأملاح والمنتجات الكيميائية) وقد قدرت الدراسة إجمالي الإيرادات السنوية للمشروع المتكامل بنحو (924.9 مليون دولار) مع التأكيد أن هذه الأرقام تقديرات أولية قابلة للتحديث عند إعداد التصاميم التنفيذية ودراسات السوق التفصيلية.
غير أن التحدي الأكبر أمام مشروع بهذا الحجم هو (التمويل) ولذلك تقترح الدراسة حلاً يقوم على تحويل المشروع إلى كيان استثماري قادر على تعبئة رأس المال بدلاً من تحميل الموازنة العامة كامل تكاليف الإنشاء.
ويتمثل الحل الأول : في تأسيس (شركة مساهمة وطنية) تتولى إنشاء وإدارة المشروع وتتمتع (بشخصية قانونية واستقلال مالي) وتخضع (للحوكمة والرقابة والإفصاح المالي) ويتيح هذا النموذج تجميع رؤوس الأموال (الحكومية والخاصة) واستقطاب (الخبرات والتكنولوجيا) وتوزيع المخاطر الاستثمارية مع المحافظة على سيطرة الدولة على المشروع الاستراتيجي.
أما الحل الثاني : فهو اعتماد نموذج (الخصخصة التنموية) من خلال تحويل المشروع إلى شركة استثمارية مدرجة في سوق العراق للأوراق المالية وطرح أسهمها أمام المستثمرين مع احتفاظ الحكومة (بالحصة الحاكمة) ووفق النموذج الوارد في الدراسة تكون الملكية (51% للحكومة العراقية ، و30% للشركات المحلية والأجنبية ، و19% للاكتتاب العام) .
ويمثل هذا النموذج حلاً عملياً لمشكلة التمويل لأنه يجمع بين (السيادة الوطنية والتمويل الخاص والمشاركة الشعبية) فاحتفاظ الحكومة بـ(51%) يضمن بقاء القرار الاستراتيجي بيد الدولة بينما توفر حصة الشركات (التمويل والخبرة والتكنولوجيا) وتمنح نسبة الاكتتاب العام المواطنين وصناديق التقاعد والمصارف والمستثمرين العراقيين فرصة امتلاك جزء من المشروع والاستفادة من عوائده.
وبذلك لا يصبح المواطن مجرد مستفيد من الخدمات ، بل (شريكاً في ملكية أصل اقتصادي منتج) كما أن إدراج المشروع وفرض (الإفصاح المالي والتدقيق المستقل ومشاركة الدولة والقطاع الخاص والمساهمين في مجلس الإدارة) يمكن أن يعزز (الشفافية والثقة والاستدامة المالية) وقد أكدت الدراسة إمكانية تطبيق نموذج الشركة المساهمة والخصخصة التنموية بصورة متكاملة.
إن قوة مشروع ميناء الفاو لا تكمن في أي مشروع منفرد ، وإنما في (تكامل الطاقة والمياه واسترداد الموارد والصناعة والتمويل) ضمن منظومة واحدة ، وعندما تتحول الطاقة الشمسية إلى (كهرباء، والمياه إلى مورد صناعي) ومياه (الصرف إلى موارد) ، والأملاح إلى (مواد أولية) والمواد الأولية إلى (منتجات كيميائية) والميناء إلى (بوابة للتصدير) فإن محافظة البصرة من الممكن أن تتحول بحلول عام (2050) من مشروع بنية تحتية إلى (أحد أهم الأصول الاقتصادية المنتجة في العراق) وقاعدة صناعية ولوجستية إقليمية قادرة على خلق القيمة وفرص العمل وتنويع الاقتصاد الوطني.
المصادر :
- عبد الجبار جاسم العبيدي، تقنيات الطاقة الشمسية الحرارية المركزة والتطبيقات الصناعية في جنوب العراق، 2021.
- المؤسسة العامة للموانئ العراقية، التقرير الاستراتيجي لتطوير ميناء الفاو الكبير والمنطقة الاقتصادية الحرة، 2022.
- وزارة الموارد المائية العراقية، استراتيجية إدارة المياه والأراضي في العراق حتى عام 2050، 2023.
- محمد علي الفرطوسي، استرداد المعادن والأملاح من رجيع محطات التحلية: آفاق الاقتصاد الدائري في البصرة، 2022.
- وزارة الكهرباء العراقية، خطة التحول نحو الطاقة المتجددة ورفع كفاءة الشبكة الوطنية، 2022.


