ليس أخطر على مستقبل العراق أن تغيب جامعة عراقية عن تصنيف عالمي فحسب، بل الأخطر أن يتحول هذا الغياب إلى حالة طبيعية لا تستدعي مراجعة حقيقية للسياسات التعليمية والبحثية.
تكشف النسخة الأحدث من تصنيف شنغهاي العالمي للجامعات ARWU لعام 2025 صورة تستحق التوقف طويلاً. فالتصنيف، الذي يفحص أكثر من 2500 جامعة وينشر أفضل 1000 منها، يعتمد مؤشرات بحثية موضوعية، من بينها جوائز نوبل وميداليات فيلدز، والباحثون الأعلى استشهاداً، والنشر في Nature وScience، والأبحاث المفهرسة في Web of Science، إضافة إلى الأداء الأكاديمي للفرد.
والنتيجة المؤلمة: لا توجد جامعة عراقية ضمن أفضل 1000 جامعة عالمياً في ARWU 2025.
في المقابل، نجد حضوراً إقليمياً واسعاً:
السعودية: 14 جامعة، وتتقدمها جامعة الملك سعود في الفئة 151–200 عالمياً.
تركيا: 11 جامعة.
مصر: 6 جامعات، من بينها جامعة القاهرة في الفئة 401–500.
إيران: 6 جامعات.
الإمارات: 4 جامعات وفق بيانات التصنيف المنشورة.
لبنان: جامعتان.
المغرب: جامعتان.
قطر: جامعة واحدة.
عُمان: جامعة واحدة.
وهنا لا ينبغي أن نتعامل مع الأرقام باعتبارها مجرد «ترتيب جامعات». فالتصنيف في جوهره يقيس قدرة المنظومة الجامعية على إنتاج المعرفة المؤثرة عالمياً.
المشكلة ليست في التصنيف… بل في ما يكشفه التصنيف ، فقد يقول قائل: لماذا نهتم بتصنيف أجنبي؟ وهل يمكن اختزال جودة التعليم الجامعي في ترتيب عالمي؟
الإجابة: بالتأكيد لا.
لكن المشكلة أن ARWU لا يقيس جمال المباني، ولا عدد المؤتمرات، ولا عدد البيانات الصحفية، ولا عدد الكتب التي تطبعها الجامعات، ولا عدد اللجان والاجتماعات؛ بل يركز بصورة كبيرة على مخرجات البحث العلمي وتأثيره.
وهذه نقطة جوهرية.
فالمؤشر المنشور في شنغهاي يعتمد ستة مؤشرات موضوعية، بينها جودة الخريجين وأعضاء هيئة التدريس، والباحثون الأعلى استشهاداً، والنشر في Nature وScience، والأبحاث المفهرسة في قواعد Web of Science، والأداء الأكاديمي للفرد.
بمعنى آخر، السؤال الذي يطرحه التصنيف على الجامعة العراقية ليس:
كم كلية لديك؟
ولا:
كم طالباً تخرج سنوياً؟
بل:
ماذا أنتجت من معرفة يستطيع العالم أن يراها ويستشهد بها ويعترف بتأثيرها؟
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
كيف وصلت دول تعاني أزمات إلى التصنيف؟
الأكثر إثارة للقلق أن دولاً عربية وإقليمية تعاني أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية استطاعت أن تضع جامعاتها ضمن قائمة الألف.
مصر لديها ست جامعات، ولبنان والمغرب لديهما حضور، وإيران وتركيا والسعودية لديها عشرات الجامعات مجتمعة ضمن القائمة.
بل إن جامعة القاهرة، على سبيل المثال، تقع في الفئة 401–500 عالمياً.
وهذا يعني أن الظروف الصعبة لا تكفي وحدها لتفسير تراجع الجامعات.
الفرق الحقيقي غالباً يكمن في السياسات والاستراتيجيات.
الدولة التي تنظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة لإنتاج المعرفة، تضع البحث العلمي في قلب سياستها.
أما الدولة التي تنظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة لتخريج أكبر عدد ممكن من الطلبة ومنح الشهادات، فإنها قد تنتج أعداداً كبيرة من الخريجين، لكنها لا تنتج بالضرورة جامعة قادرة على المنافسة عالمياً.
العراق لا يعاني من نقص العقول
وهذه ربما أكثر النقاط إيلاماً.
العراق ليس بلداً بلا علماء أو أساتذة أو باحثين.
لدينا جامعات عريقة، وكفاءات علمية كبيرة، وأساتذة وباحثون يعملون داخل العراق وخارجه، ولنا تاريخ أكاديمي وثقافي لا يمكن تجاهله.
لكن امتلاك الكفاءات شيء، وبناء منظومة وطنية تستثمر هذه الكفاءات شيء آخر تماماً.
فالباحث المتميز يحتاج إلى مختبر، وتمويل، ووقت للبحث، ومجموعة بحثية، ومجلات علمية رصينة، وشراكات دولية، ونظام حوافز، وبيئة أكاديمية مستقرة، وإدارة جامعية قادرة على التخطيط لسنوات طويلة.
أما أن نطالب الأستاذ الجامعي بالنشر ثم نتركه يواجه وحده تعقيدات التمويل والمختبرات والإجراءات الإدارية، فهذا لا يصنع جامعة عالمية.
من «هوس التصنيفات» إلى صناعة الجامعة..
المفارقة أن الجامعات العراقية ووزارة التعليم العالي أصبحتا تهتمان كثيراً بموضوع التصنيفات العالمية، بل عُقدت في العراق ورش متخصصة لمناقشة معايير شنغهاي وكيفية تحسين أداء الجامعات العراقية فيها. ومن بين التوصيات المطروحة تشجيع النشر في المجلات الرصينة، وتشكيل فرق بحثية متعددة التخصصات وتوفير دعم مالي مستدام للباحثين.
وهذا جيد من حيث المبدأ.
لكن السؤال الأهم هو:
هل لدينا استراتيجية وطنية طويلة الأمد لبناء جامعات بحثية عالمية، أم أننا نحاول فقط تحسين أرقام التصنيف سنة بعد أخرى؟
هناك فرق هائل بين الأمرين.
التصنيف يجب أن يكون نتيجة لسياسة تعليمية ناجحة، وليس هدفاً بحد ذاته.
أخطر ما في المشكلة: خسارة المستقبل ، لان غياب الجامعات العراقية عن قائمة أفضل 1000 ليس مجرد خسارة معنوية.
إنه يعني عملياً استمرار فجوة العراق في:
البحث العلمي → الابتكار → التكنولوجيا → الاقتصاد المعرفي → القدرة التنافسية → سوق العمل.
الدول التي تمتلك جامعات بحثية قوية لا تحصل فقط على شهادات أفضل؛ بل تنتج براءات اختراع، وشركات ناشئة، وأبحاثاً تطبيقية، وحلولاً لمشاكل الصناعة والطاقة والمياه والزراعة والصحة.
وبالتالي فإن ضعف الجامعة يتحول في النهاية إلى ضعف اقتصادي واجتماعي واستراتيجي.
العراق الذي ينفق مليارات الدولارات على قطاعات مختلفة، ويستورد التكنولوجيا والخبرات والحلول من الخارج، لا يستطيع أن يبني اقتصاداً مستداماً إذا لم يجعل الجامعة مركزاً لإنتاج المعرفة الوطنية.
أين الخلل إذن؟
المشكلة تحتاج إلى مراجعة جذرية في فلسفة إدارة التعليم العالي، وليس إلى تغيير شعارات أو استحداث تصنيف جديد.
نحتاج إلى استراتيجية وطنية تمتد 10–15 سنة على الأقل، وتحدد عدداً محدوداً من الجامعات العراقية لتكون جامعات بحثية وطنية، وتمنحها التمويل والاستقلالية والحوافز اللازمة.
ونحتاج إلى:
# توجيه جزء أكبر من الإنفاق الجامعي إلى البحث العلمي الحقيقي.
# إنشاء صناديق تنافسية لتمويل المشاريع البحثية ذات الأولوية الوطنية.
# ربط التمويل الجامعي بجودة البحث وتأثيره، لا بعدد الطلبة فقط.
# استقطاب العلماء العراقيين في الخارج ببرامج حقيقية، لا بدعوات بروتوكولية.
# بناء مختبرات ومراكز بحثية متخصصة ومشتركة بين الجامعات.
تشكيل فرق بحثية متعددة التخصصات قادرة على المنافسة الدولية.
# زيادة الشراكات مع الجامعات العالمية والمراكز البحثية الرصينة.
# مكافأة الباحث الذي ينتج بحثاً مؤثراً وبراءة اختراع أو حلاً تطبيقياً، وليس فقط من يراكم أكبر عدد من البحوث.
# حماية الجامعات والبحث العلمي من التدخلات السياسية والمحاصصة الإدارية.
# اعتماد تقييم شفاف لرؤساء الجامعات والكليات يعتمد على مؤشرات أداء حقيقية.
والسؤال الذي يجب ألا نهرب منه
إذا كانت السعودية استطاعت أن تضع 14 جامعة ضمن قائمة شنغهاي، وتركيا 11 جامعة، ومصر 6 جامعات، وإيران 6 جامعات، فالسؤال ليس:
لماذا لا نستطيع أن ننافسهم؟
السؤال الأكثر جدية هو:
ماذا فعلت هذه الدول لبناء جامعاتها، وماذا فعلنا نحن؟
لا يجوز أن نقنع أنفسنا بأن العراق أقل من غيره في العقول.
المشكلة ليست في العراقيين.
المشكلة في المنظومة التي لا تعرف كيف تحول العقل العراقي إلى قوة علمية واقتصادية.
ولذلك فإن غياب الجامعات العراقية عن ARWU ينبغي ألا يُقابل ببيان إعلامي أو تبرير إداري أو البحث عن تصنيف آخر أكثر ملاءمة.
بل ينبغي أن يكون جرس إنذار وطنياً.
فالدول لا تتقدم بعدد الجامعات فقط، وإنما بقدرتها على تحويل جامعاتها إلى مصانع للمعرفة.
والعراق الذي كان يوماً منارة للعلم في المنطقة، لا يليق به أن يكتفي بالحديث عن أمجاد الماضي بينما تتقدم جامعات دول أخرى، بعضها يعيش ظروفاً أصعب بكثير، إلى مواقع عالمية متقدمة.
نحن لا نحتاج إلى جامعة عراقية تدخل قائمة شنغهاي لإرضاء التصنيف؛ نحن نحتاج إلى جامعة عراقية تدخلها لأنها أصبحت بالفعل جامعة عالمية.
وهذا لن يحدث بالقرارات الإدارية وحدها، ولا بكثرة المؤتمرات، ولا بتغيير مسميات البرامج.
إنه يحتاج إلى قرار وطني واضح: أن يكون البحث العلمي والتعليم العالي مشروعاً استراتيجياً للدولة العراقية، لا ملفاً إدارياً تابعاً لدورة حكومية.
فالجامعة التي لا تنتج المعرفة، ستستهلك معرفة الآخرين.
والدولة التي لا تستثمر في جامعاتها اليوم، ستدفع غداً أضعاف ذلك ثمناً للتكنولوجيا والخبرات والحلول التي ينتجها الآخرون.


