سلسلة التوريد للأمن الغذائي في العراق بين الواقع والتحديات المستقبلية
يمثل الأمن الغذائي والدوائي أحد الركائز الأساسية للأمن القومي في أي دولة، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط المهددة على الدوام بأزمات سياسية وأمنية واقتصادية.
بالنسبة للعراق، الذي يشهد هشاشة في البنى الاقتصادية والاعتمادية العالية على الاستيراد، يبرز التساؤل الملح:
هل يمتلك العراق منظومة متكاملة لسلسلة التوريد وخزينًا استراتيجيًا يحميه في حالة نشوب حرب إقليمية أو أزمة دولية كبرى؟
واقع الأمن الغذائي والدوائي في العراق
1.الاعتماد على الاستيراد:
العراق يستورد ما نسبته 70–80% من احتياجاته الغذائية والدوائية، بما في ذلك القمح والأرز والزيوت النباتية والأدوية الأساسية. هذا الاعتماد يجعل السوق العراقية رهينة للتقلبات العالمية، سواء في الأسعار أو في النقل الدولي.
2.ضعف البنية التخزينية:
رغم وجود صوامع الحبوب ومخازن الدواء، إلا أن الطاقة الاستيعابية لا تغطي سوى بضعة أشهر من الاستهلاك، وغالبًا ما تكون مخزونات الحبوب الاستراتيجية محدودة وغير موزعة جغرافياً بشكل متوازن.
3.هشاشة النقل واللوجستيات:
تعتمد السلسلة بشكل كبير على الموانئ (خاصة ميناء أم قصر) والطرق البرية من تركيا وإيران والأردن. أي اضطراب أمني أو سياسي في هذه المنافذ يعرقل فورًا تدفق المواد الغذائية والدوائية.
4.التجارب السابقة:
خلال أزمة جائحة كورونا (2020) وأزمة الحرب الروسية–الأوكرانية (2022)، عانى العراق من اضطراب مباشر في أسعار الطحين والزيوت وندرة بعض الأدوية المستوردة، مما كشف هشاشة الاعتماد على الخارج.
المخزون الاستراتيجي – الموجود والمفقود
-
الغذاء:
- تمتلك وزارة التجارة العراقية عبر “البطاقة التموينية” آلية لتوزيع الحبوب والسكر والزيت، لكنها لا تمثل مخزونًا استراتيجيًا بالمعنى الحديث، بل آلية دعم اجتماعي.
- خزين الحبوب يتأرجح بين 3–6 أشهر فقط من الاستهلاك المحلي، وهو غير كافٍ في حالات الحرب أو الحصار الطويل.
-
الدواء:
- لا يوجد نظام وطني واضح لخزين استراتيجي للدواء.
- الاعتماد الأكبر على الاستيراد من إيران، الهند، الأردن وتركيا.
- مخازن وزارة الصحة مخصصة للتوزيع الدوري وليست لمواجهة الطوارئ.
-
الزراعة والصناعة المحلية:
- الإنتاج الزراعي يعاني من مشاكل مائية (شح المياه، اعتماد على نهري دجلة والفرات) ومشاكل تسويقية (ضعف التخزين البارد والنقل).
- الصناعة الدوائية المحلية شبه معطلة مقارنة بالقدرة الاستهلاكية.
التحديات المستقبلية
- الجغرافيا السياسية: احتمالية اندلاع نزاع إقليمي (في الخليج أو مع إيران أو تركيا) قد يقطع طرق التوريد البحرية والبرية.
- المناخ: التصحر وتراجع الموارد المائية سيقللان من القدرة الإنتاجية المحلية.
- الإدارة والفساد: غياب الشفافية والرقابة في ملف الأمن الغذائي والدوائي يؤدي إلى ضعف التخطيط وغياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة للمخزون.
- الاعتماد على الدولار: أي عقوبات مالية أو اضطراب في احتياطيات البنك المركزي ينعكس مباشرة على القدرة على الاستيراد.
السيناريوهات المستقبلية
- السيناريو المتشائم: استمرار العراق في الاعتماد على الاستيراد دون بناء مخزون استراتيجي، مما يجعله عرضة لأزمات الجوع ونقص الدواء في حالة الحرب أو الحصار.
- السيناريو المعتدل: تعزيز المخزون الغذائي عبر زيادة الطاقة التخزينية للحبوب وتوزيعها جغرافياً، مع بناء خزين دوائي محدود للأدوية الأساسية.
- السيناريو المتفائل: بناء منظومة وطنية لسلسلة التوريد للأمن الغذائي والدوائي تشمل:
- زراعة استراتيجية (قمح، رز، محاصيل زيتية).
- إنشاء مخازن حديثة مبردة للغذاء والدواء.
- تطوير الصناعة الدوائية الوطنية.
- شراكات إقليمية مع دول مجاورة لضمان تدفق الإمدادات في الأزمات.
مقترحات عملية للحكومة العراقية
- إنشاء مجلس أعلى للأمن الغذائي والدوائي يرتبط مباشرة برئاسة الوزراء.
- إعداد قاعدة بيانات وطنية للمخزون والاحتياجات الشهرية.
- بناء سايلوات إضافية وتوزيعها بين المحافظات.
- إطلاق مشاريع زراعية استراتيجية مدعومة حكوميًا (خاصة القمح والشعير).
- تطوير الصناعات الدوائية عبر شراكات مع القطاع الخاص والشركات العالمية.
- تخصيص صندوق سيادي لتمويل الخزين الاستراتيجي.
العراق اليوم لا يمتلك منظومة متكاملة للأمن الغذائي والدوائي بالمعنى الاستراتيجي، بل يعتمد على استيراد يومي وسوق متقلبة، مع خزين محدود لا يكفي لمواجهة حرب طويلة أو حصار اقتصادي. المستقبل يتطلب تحولاً جذريًا من سياسة الاستيراد والاستهلاك الفوري إلى سياسة إنتاج وتخزين استراتيجية، تضمن بقاء المواطن العراقي محصنًا ضد الأزمات. إن بناء سلسلة توريد وطنية مرنة هو جزء من حماية السيادة الوطنية والأمن القومي، وليس مجرد ملف اقتصادي.


