تُعدّ السندات الأمريكية أداة استثمارية رئيسية في السياسة المالية للدول، إذ تعكس درجة انخراطها في النظام المالي الدولي، وتمنحها في الوقت نفسه ملاذاً آمناً للأصول الاحتياطية. وفي هذا الإطار، شهدت حيازة العراق من السندات الأمريكية تراجعاً ملحوظاً من 40.8 مليار دولار في عام 2023 إلى أقل من 30 مليار دولار في عام 2024، ما أخرج البلاد من قائمة العشرين الكبار عالمياً. هذا التراجع يثير جملة من التساؤلات حول أسبابه، وتأثيراته المباشرة وغير المباشرة على الاقتصاد العراقي.
أسباب انخفاض حيازة العراق للسندات الأمريكية
-
الضغوط الداخلية لتمويل الموازنة
- العراق يعتمد على الإيرادات النفطية كمصدر رئيسي لأكثر من 90% من موارده المالية.
- الضغوط المتزايدة في تمويل العجز المالي والإنفاق التشغيلي (الرواتب والدعم) دفعت الحكومة إلى سحب جزء من احتياطياتها المستثمرة في السندات لتغطية النفقات المحلية.
- تذبذب أسعار النفط
- تقلب أسعار النفط خلال 2023–2024 أدى إلى حاجة عاجلة للسيولة بالدولار، ما جعل الاحتفاظ بسندات طويلة الأجل أقل أولوية مقارنة بتوفير النقد الأجنبي.
- السياسة النقدية الأمريكية (ارتفاع الفائدة)
- ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية جعل السندات القائمة أقل جاذبية من حيث العوائد، ودفع بعض الدول، ومنها العراق، إلى إعادة هيكلة محافظها الاستثمارية وتقليل حيازتها من الأصول منخفضة العائد.
- اعتبارات جيوسياسية واستراتيجية
- العراق قد يسعى إلى تنويع احتياطاته المالية بعيداً عن الاعتماد المفرط على الدولار الأمريكي، عبر زيادة احتياطاته من الذهب أو تعزيز تعاملاته بالعملات الإقليمية (اليوان، اليورو).
التداعيات الاقتصادية والمالية على العراق
- تراجع العوائد المالية المستقرة
- السندات الأمريكية تمثل مصدر دخل ثابت وآمن نسبياً، وانخفاض حيازة العراق يعني تراجع هذه العوائد المستقرة لصالح سيولة آنية، ما يزيد هشاشة الموارد المالية على المدى الطويل.
- زيادة الاعتماد على النفط
- في ظل سحب الأصول المالية الخارجية، يعود الاقتصاد العراقي أكثر فأكثر إلى الاعتماد شبه المطلق على النفط، وهو ما يعمّق مخاطر تقلب الأسعار العالمية.
-
تراجع الثقة الاستثمارية الدولية
- وجود العراق خارج قائمة كبار حاملي السندات الأمريكية يقلل من حضوره المالي في النظام العالمي، ما قد يضعف من مؤشرات الثقة بالاقتصاد العراقي على صعيد التصنيف الائتماني وجاذبية الاستثمار.
- تأثيرات على استقرار الدينار العراقي
- خفض الأصول الدولارية الطويلة الأجل قد يزيد من الضغط على احتياطيات البنك المركزي، ويؤثر في قدرته على الدفاع عن سعر صرف الدينار أمام الدولار، خاصة في أوقات الأزمات.
- محدودية فرص تنويع المحافظ المالية
- السحب من السندات لم يُقابَل بزيادة واضحة في تنويع الأصول نحو بدائل أخرى (ذهب، عملات آسيوية، استثمارات سيادية)، ما يخلق فجوة بين السيولة قصيرة الأمد والأمان المالي بعيد المدى.
سيناريوهات مستقبلية
- العودة التدريجية لزيادة الحيازة
- في حال تحسن أسعار النفط وزيادة الفوائض المالية، قد يعاود العراق شراء السندات كأداة لتعزيز الاحتياطي.
- التوجه نحو بدائل استثمارية
- العراق قد يعيد توجيه استثماراته إلى الذهب أو الأصول السيادية الإقليمية لتقليل المخاطر المرتبطة بالدولار الأمريكي.
- خطر الاستنزاف المستمر
- إذا استمرت الضغوط المالية والإنفاق غير المنضبط، قد يتراجع الاحتياطي أكثر، مما يعرض الاقتصاد لصدمات نقدية ومالية أكبر.
إن انخفاض حيازة العراق من السندات الأمريكية يعكس مزيجاً من الضغوط المالية الداخلية والتحديات الدولية، لكنه في الوقت ذاته يكشف هشاشة هيكل الاقتصاد العراقي المعتمد بشكل أساسي على النفط. هذا التراجع لا يُعد مشكلة بحد ذاته إذا ترافق مع استراتيجية واضحة لتنويع الاحتياطات والاستثمارات، لكنه قد يصبح خطراً حقيقياً في حال استمر من دون رؤية اقتصادية واضحة. إن بناء سياسة مالية رشيدة، تعزز التنويع وتوازن بين السيولة قصيرة الأجل والاستقرار طويل الأجل، يمثل التحدي الأكبر أمام صناع القرار في المرحلة المقبلة.


