لا يزال البعثيون يحكمون العراق: رؤية تحليلية عميقة عن إرث لم يسقط

لا يزال البعثيون يحكمون العراق: رؤية تحليلية عميقة عن إرث لم يسقط
النص يوضح أن إرث البعث في العراق لم ينتهِ بسقوط النظام، بل استمر كذهنية وممارسات داخل مؤسسات الدولة والأحزاب. فشل القوى الجديدة بالتغيير أبقى الإدارة الإقصائية والريع النفطي، ما جعل المشكلة صراعًا مع عقلية لا مع حزب...

على مدى أكثر من عشرين عاما، تعاقبت حكومات، تبدّلت وجوه، وتشكلت عشرات الأحزاب والتيارات، ومع ذلك، بقي العراق يعيش في ظلّ تركة نظام سقط بالقوة، لكنه ارثه لم يسقط ولا زالت جذوره تتحكم في مصير هذه البلاد.

البعث لم يعد حزبا قانونيا، لكنه تحوّل إلى ذهنية، وشبكة مصالح، وآليات إدارة بقيت راسخة في عمق الدولة والمجتمع.

•هياكل جامدة في ثياب مهنية

المؤسسات التي يفترض أن تمثل حيوية المجتمع المدني ـ كالنقابات المهنية، الاتحادات الطلابية، والجمعيات الثقافية ـ ظلت لفترات طويلة أسيرة نفس الوجوه، نفس القوانين الداخلية المغلقة، ونفس أنماط إدارة الولاءات.

وما كان في زمن الحزب الواحد أداة تعبئة، صار بعد 2003 أداة ضبط بواجهات جديدة.

النتيجة: بقاء طبقة نقابية متكلسة تمنع التجديد وتعيد إنتاج المنظومة السابقة، حتى وإن تغيرت الشعارات.

•مركزية خانقة وفكر إداري قديم

الوزارات ودوائر الدولة هي الوجه الآخر لهذا الجمود، كثير من الهياكل الإدارية لم تعاد صياغتها بما يناسب عراق جديد.

وما زالت القوانين القديمة، والتراتبية الموروثة، وطرق اتخاذ القرار تذكّر بأن الدولة لم تتحرر فعليا من منطق “الأوامر الفوقية” الذي كان سائدا لعقود.

•واجهة حديثة لذهنية قديمة

الجامعات، وسائل الإعلام الرسمية، بعض المؤسسات الثقافية، وحتى اتحادات رياضية وفنية، تعمل بعقلية احتكار مواقع النفوذ، منع دخول دماء جديدة، وتحويل أي مساحة عامة إلى دائرة مغلقة، ولا فرق هنا بين نظام شمولي وأحزاب ما بعده، ما دام السلوك واحدا.

•توريث الإقصاء وإعادة إنتاج الاستبداد

الأحزاب الجديدة وعدت بالحرية، لكنّها غالبا مارست الإقصاء، الاحتكار، والتخوين، تغيّر اسم “القائد الضرورة”، لكن الفكرة ذاتها بقيت، صوت واحد، تيار واحد، زعيم واحد، فيما الشعب يختزل في جمهور مقسم بين الولاءات.

هذه الذهنية لم تولد بعد 2003، بل ورثت من زمن البعث، وأعيد إنتاجها عبر أطر جديدة.

• استمرار الدولة المهيمنة على المجتمع

ما زال العراق يعتمد على توزيع الريع النفطي، كما كان النظام السابق مسيطرا على الثروة، فاليوم تستخدم الوظيفة الحكومية والرواتب والدعم لضبط المزاج العام.

لا إصلاح اقتصادي حقيقي، ولا تحوّل من دولة راعية مطلقة إلى دولة تنظّم وتحرّر طاقات المجتمع.

• لماذا فشلت القوى الجديدة في التغيير؟

الجواب ليس بسيطا، لكنه واضح:

– غياب مشروع دولة المؤسسات، لان القوى التي تسلمت الحكم غارقة حتى الان في تقاسم السلطة لا في إعادة بناء الدولة.

– استعجال التوافقات، عندما يتم الاعتماد على بقاء إدارات قديمة “لتمشية الأمور”، وابقاء الأجهزة نفسها التي بناها البعث.

– ثقافة سياسية هشة، حيث لا تملك الأحزاب الجديدة نموذجا مختلفا في الإدارة والقيادة، فاستعارت أسوأ ما في الماضي وخلطته بحسابات حزبية ومصلحية.

– شبكات المصالح، فكثير من البعثيين السابقين أعادوا التموضع بهدوء، فأصبحوا جزءا من اللعبة الجديدة، يحافظون على مصالحهم ويعيدون تشكيل نفوذهم.

•اخيرا: معركة مع عقلية لا مع حزب

حين يكون العنوان “إن البعثيين ما زالوا يحكمون العراق” فلا داعي للاستغراب او التعجب، لأننا لا نتحدث عن حزب عاد من تحت الرماد، بل عن شبكة ذهنية ومؤسساتية لم تجتث.

كما ان سقوط الأنظمة والطغاة قد يكون سريعا، لكن سقوط إرثهم وارث انظمتهم بطيء جدا.

وما لم تبن دولة مؤسسات حقيقية تفكك هذه التراكمات، سيبقى العراقيون يعيشون حاضرهم بظلال ماضيهم، مهما تغيّرت الأسماء والعناوين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *