زلزال التشييع وفلسفة الهوية.. عندما تُحطّم كربلاء والنجف أصنام “سايكس بيكو”

تشييع الخامنئي في النجف وكربلاء وفلسفة الهوية الإسلامية
قراءة في تشييع الخامنئي بالنجف وكربلاء، ووحدة الحوزتين، وتجاوز الهوية الإسلامية للحدود القومية والسياسية التي فرضها سايكس بيكو...

التشييع وفلسفة الهوية الإسلامية

تمر الأمة الإسلامية اليوم بمنعطف تاريخي واستثنائي يجمع بين غصة الفقد وعنفوان الموقف.

إذ يمثل استشهاد سماحة السيد القائد علي الخامنئي حدثاً يتجاوز جغرافيا المصاب.

كما يتحول هذا الحدث إلى محطة فكرية تعيد صياغة الوعي الجمعي الإسلامي.

ومن هنا، فإن التشييع المرتقب لجثمانه الطاهر في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، يوم الأربعاء الموافق 8 يوليو/تموز 2026، لا يمثل مجرد مراسم عزاء عابرة.

بل يشكل تظاهرة عقائدية كبرى تسقط الأقنعة، وتمايز بين المخلصين والأعداء والمنافقين.

وفوق ذلك، يعلن التشييع بصوت هادر أن الانتماء إلى الإسلام يعلو فوق المناطقية والحدود المصطنعة.

وحدة الحوزة والبيت الشيعي

تكشف القراءة الأولية للمشهد السياسي والعقائدي تلاحماً غير مسبوق.

فحتى الآن، تشير الأخبار إلى أن مراجع النجف اتفقوا على واجب التعزية والخروج في مظاهرات حاشدة.

كما تشمل هذه الدعوات الإخوة في التيار الصدري.

وبذلك، يعكس هذا الإجماع عمق الرابطة العقائدية وجوهر التلاحم.

كذلك، يؤكد أن الخلافات السياسية العابرة تتراجع أمام استحقاق نصرة رموز الإسلام ومقارعي الاستكبار.

رسالة اللحمة الكبرى

في السياق نفسه، تنقل المصادر أبعاداً روحية وفقهية بالغة الأهمية.

فبعض الأخبار تشير إلى أن الحالة الصحية للسيد السيستاني منهكة.

كما نقل ولده السيد محمد رضا تعذر مشاركة والده.

وأضاف أن السيد محمد تقي الحكيم سيصلي على جثمان السيد المستطاب، كما لقبه السيد علي السيستاني.

ويحمل وصف «السيد المستطاب» دلالة كبيرة.

فهذا الوصف، الصادر عن مرجع الطائفة الأعلى في النجف، يمثل شهادة حية على عمق التقدير والترابط بين الحوزتين المباركتين.

ومن جهة أخرى، تشير أخبار إضافية إلى أن الشيخ عبد المهدي الكربلائي سيصلي على الجثمان الطاهر في كربلاء المقدسة.

وهكذا، يمتزج طهر الدم الحسيني ببركة الأرض وعمق الولاء.

النجف وقم في مشهد واحد

أمام هذا المشهد الملحمي والوحدة الاندماجية بين النجف وقم، يبرز السؤال الوجداني والفكري الأهم:

هل سيبقى المغرر به جليس داره في مثل هذا اليوم؟

وأنا أحسن الظن.

لذلك أقول: أما آن الأوان للمغرر به أن يقر ويعترف بأن تلاحم حوزة النجف الأشرف وقم المقدسة حطم حدود سايكس بيكو؟

كما آن الأوان أن يدرك أن الهوية الإسلامية وحدها هي الحاكم الذي يتكلم بقوة.

مواجهة مع الذات

تكشف هذه اللحظة التاريخية زيف العناوين الضيقة.

كما تثبت أن كذبة الترويج لحدود الوطن ليست إلا سحراً وشعوذة انطلت على كثيرين.

فالجغرافيا السياسية المقيتة التي خطتها أصابع الاستعمار الغربي لم تمثل يوماً معياراً لكرامة الإنسان.

كذلك، لم تشكل مقياساً لإيمانه.

بل استخدمها الاستعمار أداة لتمزيق الجسد الواحد وتشتيت قوى الأمة.

وبالتالي، استطاع الأعداء والمنافقون أن يستفردوا بها.

سقوط حدود سايكس بيكو

إن حدود سايكس بيكو لا تعبر، وفق هذه الرؤية، عن حقيقة الأمة.

فهي حدود رسمها الاستعمار لتقسيم الشعوب وفصل مكوناتها.

أما مشهد التشييع في النجف وكربلاء، فيكشف أن الروابط العقائدية أعمق من الحدود السياسية.

كما يثبت أن الذاكرة الدينية والهوية الإسلامية تستطيعان تجاوز خرائط التقسيم.

ولذلك، فإن الملايين التي تتجه إلى التشييع لا تنطلق من هوية جغرافية ضيقة.

بل تتحرك من موقع الانتماء إلى مشروع ديني وعقائدي أوسع.

حقيقة الوجود والامتحان الإلهي

على المغرر بهم، الذين ما زالوا يتقوقعون خلف الهويات القومية أو المناطقية الضيقة، أن يدركوا فلسفة العبودية لله.

فالله لن ينادي الإنسان يوم القيامة وفق المكان الذي كان يسكن فيه.

كما لن يسأله عن بطاقة السكن.

ولن يقول له: أنت برازيلي أو صيني أو إسباني أو إيراني أو عراقي.

بل سيسأله: ماذا فعلت؟

الميزان الإلهي والعمل

لا يعترف الميزان الإلهي بالحدود والوثائق الرسمية التي أوجدتها الأنظمة الوضعية.

فالمناطقية تودع الإنسان عند حافة قبره من دون رجعة.

أما عمله، فهو الذي يبقى معه وينجيه.

ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لا تتحدد بالانتماء القومي أو الجغرافي.

بل تتحدد بالموقف والعمل والالتزام بالمبادئ.

بقي شيء…

يمثل تشييع السيد الشهيد علي الخامنئي في أرض العراق الطاهرة، وبمباركة ومشاركة مراجع النجف وأطياف الأمة المختلفة، إعلاناً صريحاً عن ولادة عهد جديد من الوعي.

ففي هذا العهد، تعرف جبهة الحق من جبهة النفاق.

كما تذوب الحدود الوهمية تحت أقدام الملايين السائرة نحو الخلود.

وبذلك، يبقى الإسلام العظيم وحده هو الهوية الحاكمة.

كذلك، يبقى المظلة التي تجمع القلوب.

وأخيراً، يظل الراية التي لا تنكسر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *