تشييع السيد علي الخامنئي في النجف وكربلاء
ليس كل يوم يمر في حياة الأمم يشبه ما قبله أو ما بعده.
فهناك أيام تتحول إلى محطات فاصلة، تخلدها الذاكرة، وتتناقلها الأجيال بوصفها لحظات صنعت التاريخ أو غيرت مساره.
ويفرض الأربعاء المقبل، الذي يشهد مراسم تشييع السيد الشهيد علي الخامنئي في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، سؤالاً يتردد في وجدان الملايين:
هل يزدان الأربعاء بتشييع الولي، أم يُفجع بفراقه؟
سؤال يتجاوز اللغة
لا يبحث هذا السؤال عن إجابة لغوية بقدر ما يستحضر حالة وجدانية.
ففي هذه الحالة تختلط مشاعر الحزن بالفخر، والأسى بالوفاء.
وحين تجتمع الحشود لتشييع شخصية تركت أثراً واسعاً في حياة مؤيديها، فإنها لا تخرج لتوديع جسد فقط.
بل تخرج لتجديد العهد مع المبادئ التي آمنت بها.
كما تؤكد أن الرسالات لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تستمر ما دام هناك من يحملها بإيمان وإخلاص.
النجف وكربلاء والبعد الروحي للتشييع
إذا كانت النجف الأشرف مدينة العلم والإمامة، وكانت كربلاء رمزاً خالداً للتضحية والفداء، فإن احتضان المدينتين مراسم التشييع يمنح الحدث بعداً روحياً وتاريخياً عميقاً.
فالنجف تستقبل الموكب بعراقتها الدينية ومكانتها العلمية.
أما كربلاء، فتستحضر في وجدان المسلمين معاني الصبر والثبات والإيثار.
وهكذا، تلتقي الرموز في مشهد يراه المشاركون امتداداً لمسيرة التضحية في سبيل المبادئ.
عظمة التشييع في الوفاء
لا تقاس عظمة التشييع بطول المواكب أو كثرة الرايات.
بل تقاس بما يحمله الناس في قلوبهم من وفاء.
فالجموع التي تتدفق من مختلف المدن والبلدان لا يجمعها مكان واحد فقط.
بل يجمعها شعور بأن القادة الحقيقيين يتركون أثراً يتجاوز حدود الزمن.
كما تؤمن بأن الأفكار التي قامت عليها مسيرتهم تظل حاضرة في ضمير الأتباع حتى بعد غيابهم.
مرارة الفقد
في الوقت نفسه، يبقى الفقد موجعاً.
فرحيل الشخصيات المؤثرة يترك فراغاً نفسياً وسياسياً لا يُملأ بسهولة.
وتتحول المواقف التي كانت تُنتظر، والكلمات التي كانت تُلهم، والحضور الذي كان يمنح الأنصار شعوراً بالثقة، إلى ذكريات تستدعي الدموع والدعاء.
ولهذا، لا يكون الأربعاء يوماً للحزن وحده.
كما لا يكون يوماً للفخر وحده.
بل يجمع بين مشهدين متلازمين:
مشهد الوداع الذي يثقل القلوب، ومشهد الوفاء الذي يمنحها الصبر.
الذاكرة الجماعية ولحظات الفراق
تحفظ الشعوب في ذاكرتها أياماً بعينها، لأنها ارتبطت برجال تركوا بصمتهم في التاريخ.
ويحدث ذلك سواء اتفق الناس معهم أم اختلفوا حولهم.
وفي مثل هذه المناسبات، تتجلى قدرة الذاكرة الجماعية على تحويل لحظة الفراق إلى مناسبة لاستحضار المبادئ والقيم المرتبطة بصاحبها.
بقي شيء…
يبقى الأربعاء يوماً يحمل وجهين متلازمين.
فهو يزدان بمشهد الوفاء الذي ترسمه الجموع وهي تسير خلف نعش قائدها.
كما يُفجع بمرارة الغياب التي لا يستطيع الزمن أن يمحوها سريعاً.
إنه يوم ترفع فيه الأكف بالدعاء.
وتُستعاد فيه صفحات من السيرة.
كما تتجدد فيه العهود على الثبات.
وسيظل هذا اليوم في ذاكرة محبيه شاهداً على أن الرجال يرحلون، لكن القيم التي عاشوا من أجلها، في نظر أنصارهم، تبقى حية في النفوس.
وتنتقل هذه القيم من جيل إلى جيل.
كما تستمد قوتها من الإيمان والوفاء.
وعندها، يصبح الوداع بداية لمسؤولية جديدة، لا نهاية لمسيرة امتدت لعقود.
