المقدمة
يكشف الفساد المالي والإداري في العراق عن نموذج صارخ لما يُعرف في أدبيات الاقتصاد السياسي بـ«مفارقة الوفرة» (Paradox of Plenty) أو «لعنة الموارد» (Resource Curse).
فعلى الرغم من امتلاك العراق ثاني أكبر احتياطي نفطي مؤكد في المنطقة العربية، وتحقيقه إيرادات مالية هائلة خلال عقود من الطفرات السعرية للطاقة، لم تنعكس هذه الثروة إيجاباً على مؤشرات التنمية البشرية أو البنية التحتية أو الاستقرار الاقتصادي المستدام.
أولاً: مأسسة الفساد من السلوك الفردي إلى المحاصصة
لا يمكن فهم الفساد في العراق من دون ربطه بالبيئة السياسية التي تشكلت بعد عام 2003.
وقد تأسست هذه البيئة على نظام المحاصصة الطائفية والحزبية.
وحول هذا النظام الوزارات والمؤسسات السيادية إلى «إقطاعيات حشرية» أو غنائم اقتصادية للأحزاب الحاكمة.
الفساد الإداري والبيروقراطي
تجسد الفساد الإداري في تضخم القطاع العام من خلال التوظيف العشوائي والزبائني لشراء الولاءات السياسية.
وأدى ذلك إلى ظهور ظاهرة «الفضائيين»، وهم موظفون يتقاضون رواتب من دون وجود فعلي.
كما أدى إلى اتساع البطالة المقنعة.
واستنزفت هذه الظواهر أكثر من 60 في المئة من الموازنة التشغيلية للدولة، على حساب الموازنة الاستثمارية.
الفساد المالي
تمثل الفساد المالي في تهريب الأموال عبر نافذة بيع العملة.
كما ظهر في تضخيم العقود الحكومية والمشاريع الوهمية.
والمشاريع الوهمية هي المشاريع التي تُصرف موازناتها كاملة من دون تنفيذ فعلي على أرض الواقع.
ثانياً: مظاهر الفجوة بين الثروة والنتائج
تظهر المفارقة العراقية بوضوح عند مقارنة الموازنات السنوية الضخمة بالمؤشرات الواقعية على الأرض.
قطاع البنية التحتية والخدمات
أنفق العراق مئات المليارات من الدولارات على قطاع الطاقة الكهربائية منذ عام 2003.
ومع ذلك، ما زال يعاني عجزاً مزمناً في تجهيز الطاقة.
ويمتد هذا العجز إلى المياه الصالحة للشرب وشبكات الصرف الصحي.
كما يشمل النظام الصحي المتهالك.
وقد وضع ذلك العراق في مراتب متأخرة ضمن مؤشرات جودة الحياة العالمية.
التنمية البشرية والتعليم
يمثل تراجع جودة التعليم دليلاً قاطعاً على إخفاق الدولة في استثمار ثروتها في بناء رأس المال البشري.
كما يكشف اعتماد الدوام الثنائي والثلاثي في المدارس حجم النقص في الأبنية المدرسية.
وأدى الفساد في عقود بناء المدارس وتخصيصات وزارة التربية إلى عرقلة إنتاج جيل قادر على قيادة اقتصاد المعرفة.
تنويع الاقتصاد والتبعية الهيكلية
أدى الفساد إلى شلل القطاعين الإنتاجيين الحقيقيين، وهما الزراعة والصناعة.
كما أسهم غياب الحماية للمنتج المحلي وتسهيل الاستيراد العشوائي في إضعافهما.
ويرتبط هذا الاستيراد بمصالح كارتيلات فساد عابرة للحدود.
وقد تحول العراق نتيجة ذلك إلى اقتصاد ريعي كلي.
ويعتمد هذا الاقتصاد بنسبة تتجاوز 90 في المئة على النفط لتمويل الموازنة.
ويجعله ذلك رهينة لتقلبات الأسواق العالمية.
ثالثاً: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للفساد
أنتج استمرار دائرة الفساد تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة.
كما هدد السلم الأهلي والاستقرار البنيوي للدولة.
اتساع الفجوة الطبقية
تركزت الثروة في أيدي نخب سياسية واقتصادية محدودة، تمثل أوليغارشية ناشئة.
وفي المقابل، ارتفعت معدلات الفقر، التي تتجاوز 20 في المئة في بعض المحافظات.
كما ازدادت معدلات البطالة بين الشباب والخريجين.
إضعاف البيئة الاستثمارية
أدى غياب سيادة القانون والبيروقراطية المعقدة إلى هروب رأس المال الأجنبي والمحلي.
كما أسهم ابتزاز المافيات الاقتصادية للمستثمرين في جعل العراق بيئة طاردة للأعمال.
رابعاً: الخاتمة والرؤية الاستشرافية
يخلص المقال إلى أن الفشل التنموي في العراق لا ينتج عن شح الموارد أو غياب الخطط النظرية.
بل يمثل نتيجة مباشرة للفساد المالي والإداري المحمي ببنادق المحاصصة السياسية.
فالنتائج الصغيرة هي العَرَض.
أما الفساد الممأسس، فهو المرض العضوي.
التحول الرقمي الشامل
يتطلب الانتقال من دولة الريع والفساد إلى دولة التنمية المستدامة تنفيذ حزمة إصلاحات جذرية.
ويأتي التحول الرقمي الشامل والأتمتة في مقدمتها.
ويهدف ذلك إلى تقليل الاحتكاك البشري بين المواطن والموظف.
كما يساعد على إغلاق منافذ الفساد الإداري والرشوة.
استقلال الأجهزة الرقابية
يتطلب الإصلاح تفعيل الدور الحقيقي لهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية.
ويجب أن تعمل هذه الأجهزة باستقلال بعيداً عن التسويات والضغوط السياسية.
تفعيل الصناديق السيادية للأجيال القادمة
يجب عزل جزء من إيرادات النفط داخل صناديق سيادية مخصصة للأجيال المقبلة.
كما ينبغي استثمار هذه الإيرادات في أصول دولية ومشاريع تنموية داخلية.
ويجب عدم استهلاكها بالكامل في الرواتب والنفقات التشغيلية.
خطر استمرار الحلقة المفرغة
من دون إرادة سياسية صارمة، سيبقى العراق يدور داخل حلقة مفرغة.
كما سيظل مهدداً بنفاد ثروته النفطية أو تراجع أهميتها عالمياً.
وقد يحدث ذلك قبل نجاحه في بناء قاعدة اقتصادية حقيقية تحمي أجياله القادمة.


