عقب صدور المدونة الشرعية الجعفرية، وجدت النساء الشيعيات أنفسهن في موقف قد يوصف أنه صادم!، في الوقت الذي تحاول فيه المرأة الشيعية أن تثبت حضورها كند للرجل اينما حلت في تفاصيل المجتمع. والمتابع يرى رد الفعل منهن واضحا على مواقع التواصل الاجتماعي، فالتعليقات تقول أن هناك احتقانا كبيرا، ونفورا شديدا، من مواد المدونة التي تشدد عليها، وتتحيز للرجل.
ووردت تساؤلات كثيرة من هذه النسوة عن: كيف السبيل الى التحويل إلى المذهب الحنفي. أو هل يمكن منع الزوج من تحويل العقد إلى المدونة الجعفرية؟ في المقابل. بادر شباب يبدو أنهم سنة، فتساءلوا كذلك عن إيجاد سبيل إلى تحويل العقد من الحنفي إلى الجعفري، ولو من غير علم الزوجة!
وفي هذه الأجواء أطل علينا يوم أمس الشيخ “أحمد حسن الطه”
أحد علماء المجمع الفقهي في جامع أبي حنيفة، وهو ساخط على أحد النواب السنة، الذي لم يمرر أو يوافق على “المدونة السنية”
ومن ثم بقيت في مكانها من دون تطبيق. ويبدو أنها قد اتبعت الخط المتشدد كأختها في المدونة الجعفرية.
إن الفضاء العام الذي تخلقه التداعيات يجعل الأمر وكأنه موضوع مذهبي صرف، اي حق شخصي للمذهب وليس للفرد الا الطاعة. و الناطقون باسم المذهب هم رجال الدين، وهؤلاء يمارسون سلطة دينية لم يصل إليها التحديث الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو حتى السياسي. خذ مثلا مسألة “الربا” التي لا تجد حلا دينيا، سوى حيلا شرعية، في إقامة بنوك إسلامية غير ربوية، والحقيقة أنها تمارس تضليلا على الناس ليس إلا. لأن المصرف أو البنك مرتبط بنظام عالمي وليس محلي، ولا يمكن له التعامل مع العالم، لأن العالم يعتبر الربا “خدمة دين”، وهذا إجراء اقتصادي لا علاقة له بالربا على مستوى الأفراد في الشريعة.
الجندر والمدونات الشرعية: هيمنة ذكورية
ومن الناحية الاجتماعية لم تعد المرأة اليوم ولا الرجل، يمتثلون للشريعة بشكل كامل، كما في العصور الإسلامية. فمعظم النساء ربما يرتدين الحجاب عن غير قناعة، فتجد أنهن يضعن المكياج كي تعوض اختفاء الشعر. وأن معظم الرجال لا يغضوا البصر عن النساء، بل ربما يحدث العكس. كل هذا وهم مسلمون، يؤدون الفرائض الإسلامية، وشعائرها من صلاة وصيام، وعمرة، وحج.
نحن نتحدث إذن عن تغير أدوار النساء والرجال، في العبادة، والعمل، والحياة الزوجية والأسرية، والتفاصيل الاجتماعية. فلن تقبل المرأة اليوم بؤس أمها التي عاشت قبلها مسلوبة الارادة، تحت ضغط التقاليد التي تنتصر للرجل. فهل ورد مثلا أن رجلا قتل غسلا للعار!؟ أو أنه اكتشف أمر عذريته ؟. فلماذا يمكن أن يزوج نفسه عند بلوغه الرشد، بينما لا يمكن للبنت الباكر أن تفعل ذلك إلا بولي أمرها (المادة 12، 13 المدونة الجعفرية). فهل الرشد للرجل فقط؟ ثم إن معيار “الرشد” يبدو بسيطا حد السذاجة بوصفه: من يميز ما فيه الصلاح عما سواه. أي يعرف الغلط من الصحيح. أهذا معيار الرشد أم العقل ؟ ولماذا لم يتفق على عمر الثامنة عشر، بدلا من رخصة التزويج ما دون ذلك !؟
لدينا مشكلة اجتماعية جاءت بسبب الاوضاع الامنية والسياسية والاجتماعية للبلد، رافق ذلك انفتاح على العالم، ما جعل الشباب في مقارنات بينهم وبين عوالم أخرى تحترم فيها الحيوانات، وتحصل فيها على حقوق، والمرأة فيها مكرمة ولها حرية الاختيار والرفض، عند تعرضها للتحرش، فإنها تبلغ الجهات المختصة، وتقتص من الجاني، بينما هي في بيئتها المتدينة لا يمكنها التصريح بذلك، الا نادرا.
الأزمة الاجتماعية: الأرامل والطلاق
لم تكن الأزمة معقدة مثلما هي اليوم، فلدينا حوالي ثلاث ملايين أرملة( وفقا لتقديرات اليوم العالمي للأرامل في 23 يونيو 2025/الامم المتحدة)، و سبعين إلى ثمانين ألف حالة طلاق سنويا، بمعدل 230 حالة طلاق يومي، أو 10 حالات طلاق كل ساعة!!. وآخر الإحصاءات تشير إلى أن ثلث حالات الزواج تنتهي بالطلاق.
يدار الزواج في العراق عن طريق العائلة، والعشيرة. ورجال الدين.
مما يضع المرأة في وضع المتلقية، فاقدة المبادرة. وهذا الضغط الاجتماعي، يخلق هيمنة رمزية للرجال على نصف المجتمع الآخر من النساء. والمسألة التي يؤسف لها أن هذه “ثقافة مجتمع” يمتثل إليها الجميع، وما يحدث من اعتراضات هي ربما استثناءات تزداد كما ونوعا كل يوم، ولكنها لا تخلق رأيا عاما موازيا للرأي التقليدي. وقد لفت نظرنا تعليق الاستاذ (بهاء الجواني) على منصة فيسبوك، في معرض رده على المدونة بمنشور صفحة مسارات قانونية بالآتي:
“إن طبيعة المجتمع متناقضة ذكورا وإناثا، وأحسن من أجاد ذلك هو المرحوم علي الوردي، وقياس العوام للمسائل الفقهية والقانونية، هو قياس شخصي وعابر. وليس قياس قائم على المصلحة العامة والشائع الغالب. فالرجل يريد قانون صارم ضد زوجته، ولكنه يريده لينا لصالح ابنته أو أخته. والمرأة تريد قانون يسلب الرجل حقوقه كرجل، ولكنها لا تريد لزوجة ابنها أن تتسلط عليه، وتريده أن يتسيد عليها كرجل، وهكذا دواليك.
لذا فإن سن التشريعات يفترض أن لا يتم بناءه على مسائل شخصية، أو فشل في تجارب معينة. وانما يتعين أن تراعى فيه صفتي العمومية والتجريد”.
يشار إلى أن العمومية والتجريد تصطدم بثقافة المجتمع السائد، وهذا السائد يجعل الهيمنة للذكور. وعليه يبدو الشرط الأول في عملية انخراط الجميع في نقاش وحوار شاملين من دون خطوط حمر، وهذا دور النخب، والاكاديميين، ومعتدلي رجال الدين، وغيرهم من المثقفين والمؤثرين الناضجين. كما يشترك فيه الاعلام ومراكز البحث والقوى المدنية.
لقد عرف الراسخون في العلم، إن رقي المجتمع ليس في بنيانه
وعظم موارده، بل في حماية ضعفائه، والمرأة والطفل ربما الأضعف في هذه المعادلة، على الرغم من محاولة حواء إلى الاستناد على وظيفتها ومستقبلها. ولكنها سرعان ما تجد نفسها تحارب شروطا اجتماعية أقوى منها، وعقلية ذكورية تعتبر كل جرأة منها خروجا عن العفة والسلوك المثالي للمرأة.


