العطب الخفي: حين يتحول الفراغ الإنساني إلى عنف اجتماعي

العطب الخفي: حين يتحول الفراغ الإنساني إلى عنف اجتماعي
تسلط المقالة الضوء على تأثير السياقات السياسية والثقافية على السلوك الجمعي، وتناقش تفشي العنف والفراغ الروحي والاجتماعي بين الشباب، داعية إلى إصلاح جذري للبنى المجتمعية وتوفير بدائل تنموية وثقافية بدل المعالجات السطحية...

عند الشروع في الكتابة عن موضوعٍ جدلي، وفي لحظة تاريخية مضطربة كالتي نعيشها اليوم، يبدو الأمر أشبه بفارسٍ يحارب طواحين الهواء؛ لا لأن الفكرة خاطئة بالضرورة، بل لأن الزمن تغيّر، والناس تغيّروا، وسياقات التلقي لم تعد كما كانت. فالخطاب، مهما بلغ من عقلانية أو صدق، يصطدم ببيئة منهكة، مشوشة، ومشبعة بردود أفعال أكثر من كونها مستعدة للتفكير.

ولتقريب الصورة، يكفي أن نتخيّل تجربة ذهنية بسيطة: لو نُقل سكان العراق، بثقافتهم وأنماط تفكيرهم وسلوكهم، إلى جمهورية الصين أو الولايات المتحدة الأميركية، وفي المقابل أُحضر خمسون مليون صيني أو أميركي ليعيشوا في العراق، ضمن شروطه السياسية والاقتصادية والاجتماعية نفسها، ثم انتظرنا عشر سنوات، فكيف سيكون حال المجتمعين في كلتا الحالتين؟ يصعب الاعتقاد بأن النتائج ستكون متشابهة، بل إن الإجابة تكاد تكون بدهية.

هذه المقارنة لا تهدف إلى تمجيد شعب أو إدانة آخر، بقدر ما تسعى إلى لفت الانتباه إلى حقيقة غالباً ما تُهمل في النقاشات العامة: أن الأفراد، مهما امتلكوا من قدرات، هم إلى حد بعيد نتاج البنى التي يعيشون داخلها، وأن السلوك الجمعي لا يُفهم بمعزل عن السياق السياسي، والاقتصادي، والثقافي، والقيمي الذي يُعاد إنتاجه يومياً.

يميل الإنسان، كلما واجه هشاشته الداخلية، إلى تعويضها بعناصر خارجية: المال، السلطة، المكانة الاجتماعية، وأحياناً الحب. غير أن هذا الأخير تحديداً يبدو اليوم نادراً في الشرق الأوسط، أو على الأقل مشوّهاً ومفرغاً من مضمونه الإنساني، حتى كاد يحلّ محله طيف كثيف من العدوان والعنف والكراهية. وما ينبغي التنبه إليه هنا أن هذه التحولات لا تصدر، في جوهرها، عن عقلٍ منظم أو وعيٍ أخلاقي، بل تنبع من الطبقات الغريزية الأولى في الإنسان، حين تُترك بلا تهذيب ولا توجيه.

فحين يُجَوَّع البعد العاطفي والجنسي، لا يسمو الإنسان، بل يتوحش. تتبلد مشاعره، وينقلب الحب من علاقة اعتراف متبادل إلى وسيلة استهلاك، ومن معنى وجودي إلى أداة إشباع. الكبت الطويل لا يُنتج فضيلة، كما يتوهم الخطاب الوعظي، بل يُنتج انحرافاً، وتفجراً غريزياً، يعود فيه الإنسان إلى سلوك أقرب إلى الحيوان، لا بمعنى الإهانة، بل بمعناه البيولوجي الخام: استجابة مباشرة للدافع دون وساطة القيم أو الوعي.

من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى الاعتداءات الجنسية التي برزت مؤخراً بوصفها صدمات استثنائية أو انحرافات فردية معزولة. إنها، في الواقع، تحصيل حاصل لمسار طويل من القمع، والفشل، والفراغ، ثم تتحول – كما هو مألوف – إلى “ترند” إعلامي وأخلاقي عابر، قبل أن يعود كل شيء إلى سابق عهده، دون معالجة الجذور. وهنا يكمن الخلل الحقيقي: في التعامل مع النتائج بدل البنى المنتجة لها.

المسألة، في جوهرها، ليست أخلاقية فقط، ولا أمنية، ولا دينية، بل تنموية – نفسية – ثقافية بالدرجة الأولى. نحن بحاجة إلى بديل ناضج، لا إلى مزيد من الزجر. بديل قادر على تحويل طاقات الشباب إلى قوة منتجة، عبر استثمار جاد في رأس المال البشري، خصوصاً وأن هذه الفئة تمثل أكثر من 60% من المجتمع العراقي بحسب الإحصاءات الرسمية. إن ترك هذا “العائد الديمغرافي” دون سياسات عقلانية سيحوّله، لا محالة، من فرصة تاريخية إلى عبء ثقيل يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي معاً.

نحن نعيش اليوم فراغاً جمالياً وأخلاقياً ونفسياً، وجدباً روحياً عميقاً، على الرغم من التخمة الهائلة في المعروض الديني. وهذه مفارقة لا يمكن تجاهلها. فالدين، حين ينفصل عن المعنى الإنساني، وعن الحاجات النفسية الواقعية، لا يملأ الفراغ بل قد يوسّعه. وكلما كان داخل الإنسان خاوياً، ازداد بحثه عن تعويض خارجي؛ فإن كان هذا التعويض منسجماً مع ثقافة المجتمع، عُدّ نجاحاً، وإن كان ضدها، عُدّ عبئاً وانحرافاً، مع أن المصدر في الحالتين واحد: الفراغ.

المشكلة إذن ليست في الغريزة، بل في غياب الأطر التي تُهذّبها، ولا في الشباب، بل في مجتمع لا يمنحهم معنى، ولا أفقاً، ولا اعترافاً. ومن دون معالجة هذا العطب الخفي، سيظل العنف يعيد إنتاج نفسه، بأشكال مختلفة، وتحت عناوين متجددة، فيما تبقى الجذور على حالها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *