يكثر الحديث في مواقع التواصل الاجتماعي عن “التفاهة”، حتى تحوّل المصطلح إلى حكم جاهز يتداوله الجميع من دون تفكير. صار من السهل أن يصف الإنسان غيره بالتافه، وكأن الكلمة حقيقة واضحة لا تحتاج إلى شرح أو نقاش. لكن السؤال الأهم ليس: من هو التافه؟ بل: كيف أصبحت “التفاهة” نفسها فكرة بديهية لا يناقشها أحد؟
ليست المشكلة في أولئك الذين يُوصفون بالتافهين، بل في العقل الذي يطلق هذا الحكم. فالمجتمع الذي نعيش فيه لم يصل إلى حالته الحالية بسبب أشخاص بعينهم أو منصات بعينها، بل بسبب تحولات عميقة في بنية القيم والعلاقات والمعاني. ومع ذلك، يفضّل كثيرون اختزال كل هذه التعقيدات في كلمة واحدة: “تفاهة”. وكأن إطلاق الوصف يغني عن الفهم.
دخلت كلمة “التفاهة” إلى التداول العربي عبر ترجمة كتاب “عصر التفاهة”، لكنها لم تنتقل إلينا بوصفها مفهوماً تحليلياً يشرح بنية مؤسسية وثقافية، بل تحولت سريعاً إلى وصمة أخلاقية. صار الناس يستخدمونها كسلاح رمزي، يتقاذفونه بعضهم ببعض. ومن هنا، لم تعد الكلمة تشرح الواقع، بل أصبحت جزءاً من أزمته.
في عملي على مفهوم “العقل المفخخ”، حاولت أن أصف هذا النوع من الوعي الذي يحمل في داخله أفكاراً متناقضة من دون أن ينتبه إلى ذلك. ليس العقل المفخخ عقلًا جاهلًا بالضرورة، بل قد يكون مثقفاً أو أكاديمياً أو مؤثراً، لكنه يستبطن دوغمائيات لم يخضعها للفحص. يتعامل مع أفكار مستوردة أو مبسّطة بوصفها حقائق نهائية، ويحوّلها إلى معايير يحاكم بها الآخرين.
حين تتحول “التفاهة” إلى بداهة، نكون أمام أحد تجليات هذا العقل المفخخ. فبدلاً من السؤال: ما المقصود بالتفاهة؟ ومن يحددها؟ وفي أي سياق ظهرت؟ يتحول المصطلح إلى تهمة جاهزة. ويشعر من يستخدمه أنه يقف في موقع أخلاقي أعلى، حتى لو كان يعيش الشروط نفسها التي ينتقدها.
خذ مثلاً الحياة اليومية للأسرة. كثير من الموظفين يقضون يومهم تحت ضغوط العمل والاقتصاد، ثم يعودون إلى بيوت لم تعد تشبه ما كانت عليه. مائدة الطعام التي كانت تجمع الأسرة تراجعت، وحلّ محلها الطعام الجاهز. الحوار العائلي تقلّص، والعلاقة بين الآباء والأبناء أصبحت أكثر هشاشة. الطفل أو المراهق يقضي ساعات طويلة أمام الهاتف أو الجهاز اللوحي، يتنقل بين تطبيقات بلا توجيه، ويغرق في عالم افتراضي يمنحه ما لا يجده في الواقع.
في مثل هذا السياق، يصبح البحث عن الترفيه السريع أمراً مفهوماً، لا دليلاً على انحطاط أخلاقي. لكن العقل المفخخ يرفض رؤية الشروط الاجتماعية التي أنتجت هذا الواقع، ويفضّل أن يفسره أخلاقياً. فيتهم الناس بالتفاهة، بدل أن يسأل: ما الذي جعل التفاهة جذابة أصلاً؟
بعض من يقدّمون أنفسهم بوصفهم مثقفين أو مؤثرين أو حتى أكاديميين، يتحدثون عن ضرورة رفع شأن الجدية والرصانة، وكأن الحل هو تحويل الحياة إلى سلسلة من الخطب الثقيلة. لكن لو أخذنا هذا الطرح على محمل الجد، لأصبحت الحياة كئيبة ولا تُحتمل. فالمجتمعات لا تعيش على الصرامة وحدها، بل تحتاج إلى الترفيه والمرح والتنفيس، خاصة في ظروف ضاغطة.
إن مشكلة هذا الخطاب نفسه يتجاهل واقع الأجيال الصاعدة. فالشباب اليوم يعيشون في ظروف لم يحصلوا فيها على فرص كافية للعمل أو الاستقرار أو المشاركة الاجتماعية. وتشير الإحصاءات العراقية إلى أن الفئة الشابة في سن العمل تشكل أكثر من ستين في المئة من المجتمع. هذه كتلة بشرية هائلة، تحمل طاقة وتوقعات ورغبات، لكنها تصطدم بواقع محدود الإمكانات.
في مثل هذا الوضع، لا يمكن مطالبة الشباب بأن يعيشوا وفق نموذج صارم من الرصانة، بينما تُغلق أمامهم أبواب العمل والمعنى والمشاركة. إن ما يُسمى بالتفاهة، قد يكون في جانب منه محاولة للتكيّف مع واقع يفتقر إلى الأفق. لكنه في نظر العقل المفخخ يتحول إلى دليل أخلاقي على الانحطاط.
لا ينتج العقل المفخخ التفاهة فقط، بل ينتج أيضاً العنف والتشدد في الأحكام. فهو عقل مشحون بتناقضات غير محلولة: خطاب تقليدي عن القيم والانضباط، يقابله واقع سريع ومضطرب. وحين يعجز الفرد عن التوفيق بين الاثنين، يلجأ إلى أحكام قطعية تمنحه شعوراً زائفاً بالسيطرة.
لهذا، فإن الخروج من دائرة “التفاهة” لا يبدأ بمحاربة الأشخاص أو المنصات أو المحتوى، بل بتفكيك هذا العقل المفخخ نفسه. يبدأ ذلك بإعادة فحص المسلمات، وفهم الشروط الاجتماعية التي نعيش داخلها، وبناء معايير جديدة قادرة على التوفيق بين القيم الموروثة ومتطلبات الواقع.
فالمجتمع الذي يكتفي بإطلاق الأحكام، من دون أن يفهم نفسه، لن يتخلص من التفاهة. بل سيظل يعيد إنتاجها، حتى وهو يظن أنه يحاربها. لأن المشكلة، في النهاية، ليست في الكلمة التي نطلقها على الآخرين، بل في العقل الذي يطلقها.


