الشماتة ليست من شيم مكارم الأخلاق، بل هي فعل معيب إن صدر عن رجال نبلاء ومحترمين. ولكن لكل قاعدة استثناؤها، وخاصة إذا كان ما نمرّ به هو انعطافة تاريخية قد تترك آثارها على العقود القادمة؛ من حيث الثبات على العداء للكيان، والبقاء متأهبين لأي عدوان جديد، واستمرار القلق للكيان وجيشه، وخاصة مستوطني الشمال الذين لم يعودوا حتى الآن، خوفًا وجزعًا من رضوانيي الحزب، مع أنهم قد حصلوا على كل الضمانات التي تسهّل عودتهم. ولكنه الرعب الذي يتملّكهم ويمنعهم من العودة.
قد يقول قائل: كيف لا زلنا نفرض عليهم الخوف ونحن لم نطلق رصاصة واحدة على الشمال الفلسطيني منذ اتفاقية وقف إطلاق النار بيننا وبين العدو، بينما العدو يخرق يوميًا سماءنا ويغتال شبابنا على مساحة الوطن؟
قد يكون هذا الكلام صحيحًا، لولا أن أغلب سكان البلدات الجنوبية عادوا إلى قراهم غير عابئين بالوجود الإسرائيلي القريب منهم، ومع تنازل المقاومة للجيش عن أغلب مستودعات الذخيرة جنوب نهر الليطاني، بحيث لم يبقَ مع سكان المناطق سوى الأسلحة الفردية. ومع ذلك، فإن الجيش الصهيوني بفرقته ودباباته وطائراته لم يستطع أن يقنع مستوطني الشمال بالعودة، ليعيدوا مقولتهم المشهورة: “اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون.”
المهم أن هذا ليس موضوعنا الأساسي في هذه المقالة، بل حديثنا اليوم عن كرامة من يدّعون السيادة، والتي وضعها المبعوث الأميركي تحت قدميه حين توجه للإعلام المرئي والمسموع، والذي يشكّل غالبية أطياف المجتمع اللبناني، بكلمات نابية تعبّر عن شخصه اللاأخلاقي وصلفه وعجرفته، عندما وصف الموجودين بالحيوانات! فأين كرامتكم يا أصحاب الروؤس الحامية، ويا من تدّعون أنكم شعبًا صاحب سيادة وكرامة، وأنتم تأتمرون بأوامر مبعوثي الولايات المتحدة وتعتبرون طلباتها أوامر يجب أن تُنفَّذ دون جدال أو نقاش؟! بل وتريدون من المقاومة أن تسلّم سلاحها وتترك مصيرها ومصير البلد لمرتكب المجازر منذ دير ياسين حتى صبرا وشاتيلا، وغيرهما الكثير! ولكن لا بأس، فطالما هذه رغبات وأوامر الأميركي فأنتم بها راضون!
يا بني وطني، اسمعوا وفكّروا جيدًا بمقالتي: أميركا لا تهتم بكم، ولا يهمها إلا أمن الكيان. ولولا خوف الكيان من وجود المقاومة، لما رأينا أحدًا من هؤلاء الرسل والمبعوثين. فهم فقط يريدون تحصيل الأمن والأمان للعدو، ولو على حساب كل اللبنانيين. وأنتم والوطن في أسفل سلّم أولوياتهم. وما تفوّه به المدعو براك لم يكن إلا ليُفهمكم بطريقته كيف ينظر الأميركي إليكم: أنتم بالنسبة له لا شيء، وتكمن أهميتكم فقط في وجود المقاومة وسلاحها، الذي كان ولا يزال يشكّل خطرًا وجوديًا على الكيان، لأول مرة منذ إنشائه.
إنه التاريخ يكرّر ذاته، لكن الأدوات تختلف. نحن اليوم نشهد صراعًا بين الأوامر الأميركية–الصهيونية من جهة، وبين فكر وعقيدة المقاومة من جهة أخرى. وليست هذه المرة الأولى التي يتصارع فيها هذان المشروعان على أرض لبنان. ففي عام 1982 كان العدو الصهيوني على مشارف بيروت قبل أن يدخلها، وحينها كان هناك وجود عسكري للمارينز. أيضًا، راهن البعض على الدعم الأميركي لهم، من رئيس الجمهورية السابق أمين الجميل، وغيرهم من الأحزاب اليمينية، ولكن خاب فألهم. فما إن تعرّض الوجود الأميركي لضربة حتى ترك حلفاءه لمصيرهم ورحل إلى بلاده. وهذا ما حصل للإسرائيلي أيضًا، إذ انسحب بعد بضع سنوات، تاركًا وراءه حلفاءه العملاء.
وما أشبه اليوم بالبارحة! لذلك أنصح بني قومي: لا تكرّروا المكرّر، ولا تراهنوا على الأميركي، ولا تنزعوا ورقة القوة التي بين أيديكم أي المقاومة. بل حافظوا عليها، فهي قوة الردع للكيان الغاصب.
اللهم إنّي قد بلّغت، اللهم فاشهد.


